يفتح تغيير رئاسة مجلس النواب الليبي، بعد انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي خلفًا لعقيلة صالح الذي تولى المنصب منذ عام 2014، بابًا جديدًا للتساؤلات بشأن مستقبل التفاهمات السياسية، وانعكاسات التحول داخل المؤسسة التشريعية على خارطة الطريق الأممية الرامية إلى إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات.
وبينما يرى مراقبون أن تغيير القيادة قد يتيح فرصة لإعادة تنظيم العمل البرلماني ومراجعة آليات اتخاذ القرار، يظل تأثير الخطوة على التسوية السياسية مرهونًا بمدى الالتزام بالإجراءات القانونية، وقدرة القيادة الجديدة على بناء توافقات مع الأطراف الليبية المختلفة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للدولة.
ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية، في تقرير من ليبيا، آراء عضو مجلس النواب عصام الجهاني، والمحلل السياسي عبد الله الديباني، وأستاذة القانون الدستوري الدكتورة ندى عبد الرحمن، بشأن التداعيات المحتملة لتغيير رئاسة المجلس على التوازنات السياسية والقرارات السابقة والمسار الانتخابي.
الجهاني: التغيير فرصة لتعزيز العمل المؤسسي
قال عضو مجلس النواب الليبي عصام الجهاني إن تغيير رئاسة المجلس يمثل تطورًا طبيعيًا في إطار التداول والتجديد، معتبرًا أن استمرار القيادة السابقة نحو 12 عامًا يجعل إتاحة الفرصة أمام رئاسة جديدة أمرًا مهمًا لتطوير أداء المؤسسة التشريعية.
وأوضح الجهاني أن المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة اللائحة الداخلية وتعزيز دور النواب في اتخاذ القرارات، بما يحد من تركّز السلطات داخل مكتب الرئاسة، ويضمن مناقشة القضايا الرئيسية داخل المجلس بدلًا من اختزالها في مواقف فردية.
وأضاف أن تغيير القيادة لا يعني بالضرورة التخلي عن جميع التفاهمات السياسية السابقة، مشددًا على ضرورة تقييمها وفق نتائجها ومدى خدمتها للمصلحة العامة، مع الإبقاء على ما يحقق تقدمًا في العملية السياسية وإعادة النظر في التفاهمات التي اتُخذت بصورة منفردة أو شابتها أخطاء.
وأشار إلى أن التعامل مع المبادرات السياسية والتفاهمات الجديدة، بما فيها التحركات الأميركية، ينبغي أن يتم عبر المؤسسات المختصة، بعيدًا عن تعطيل القرارات أو احتكار عملية التفاوض.
الديباني: موازين القوى تتجاوز تغيير الأشخاص
من جانبه، قال المحلل السياسي عبد الله الديباني إن تغيير رئاسة مجلس النواب لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة النظام السياسي الليبي، الذي تتداخل فيه المصالح السياسية والمؤسسية والعسكرية والاقتصادية.
وأوضح أن انتقال رئاسة المجلس من عقيلة صالح إلى قيادة جديدة لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في موازين القوى بشرق ليبيا، لكنه قد يعكس مرحلة من إعادة التموضع السياسي والمؤسسي، تتيح مساحة مختلفة للتعامل مع المبادرات الوطنية والدولية.
وأضاف أن ملفات الانتخابات وإدارة الموارد وترتيبات السلطة التنفيذية لم تعد مرتبطة بشخص مسؤول واحد، بل تتداخل فيها المؤسسات واللجان وقنوات التفاوض والتفاهمات بين الأطراف المختلفة.
ورأى الديباني أن القيادة الجديدة قد تتمكن من تخفيف حدة الاستقطاب المرتبط بالشخصيات السياسية، وإعادة تنظيم قنوات التواصل مع المجلس الأعلى للدولة والبعثة الأممية، بما يساعد على تجاوز بعض العقبات التي عطلت التسوية خلال السنوات الماضية.
وأكد أن نجاح هذا المسار يتوقف على تحويل التغيير في رئاسة المجلس إلى خطوات عملية، تشمل توسيع المشاركة في صناعة القرار، وتحديد أولويات التفاوض، والالتزام بجدول زمني واضح لإنجاز الاستحقاقات السياسية والانتخابية.
أستاذة قانون دستوري: تغيير الرئيس لا يلغي القرارات السابقة تلقائيًا
وفي قراءة قانونية للتطورات، قالت أستاذة القانون الدستوري الدكتورة ندى عبد الرحمن، إن تغيير رئيس مجلس النواب لا يؤدي تلقائيًا إلى إلغاء القرارات والتفاهمات السابقة، مؤكدة أن مبدأ استمرارية المؤسسات يقتضي التمييز بين القرارات الصادرة عن المجلس وفق الإجراءات القانونية، والمواقف السياسية التي يعبّر عنها رئيسه بصفته الشخصية أو التفاوضية.
وأوضحت أن تحديد الأثر القانوني لأي تفاهم سابق يتطلب فحص مضمونه، والأطراف التي شاركت فيه، والسند القانوني الذي يستند إليه، والإجراءات التي اتُّبعت لإقراره، فضلًا عن تحديد ما إذا كان قد أنشأ التزامات مؤسسية نافذة أم اقتصر على وضع إطار سياسي للتفاوض.
وأضافت أن القيادة الجديدة قد تعيد تقييم بعض المواقف أو تطرح مقاربة مختلفة بشأن القوانين الانتخابية وتشكيل السلطة التنفيذية والعلاقة مع المجلس الأعلى للدولة، لكن ذلك لا يعني انتهاء الالتزامات القائمة بصورة آلية، خصوصًا إذا كانت مرتبطة باتفاقات متعددة الأطراف أو بإجراءات رسمية محددة.
وشددت على أن التوافق السياسي والقبول الدولي لا يحلان محل الإجراءات الدستورية والقانونية المطلوبة، وأن أي مراجعة للتفاهمات السابقة يجب أن تتم من خلال الجهات المختصة ووفق القواعد المنظمة لتعديلها أو إنهائها.
خارطة الطريق الأممية أمام اختبار جديد
يتزامن تغيير رئاسة مجلس النواب مع تحركات أممية تستهدف كسر الجمود السياسي والدفع نحو الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد أعلنت، في 30 أغسطس 2026، التوصل إلى اتفاق ضمن «الاجتماع المصغر» بشأن خطوتين أساسيتين من خارطة الطريق، تتعلقان بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتسوية المسائل العالقة في الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات.
ووفقًا لبيان البعثة، يتضمن الاتفاق ترتيبات لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية موحدة، والعمل على إنجازها خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا، مع اتخاذ خطوات لاعتماد التفاهمات وتنفيذها على المستوى الوطني.
وأكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، أن توقيع الاتفاق يمثل خطوة مهمة لتجاوز الانسداد السياسي، لكنها شددت على أن التوقيع ليس نهاية العملية السياسية، وأن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل التفاهمات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
وتقوم خارطة الطريق الأممية على ثلاثة محاور رئيسية: تهيئة إطار دستوري وقانوني قابل للتطبيق للانتخابات، وتوحيد المؤسسات من خلال سلطة تنفيذية موحدة، وإطلاق حوار منظم يعالج ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.
وفي هذا السياق، أفادت وكالة الأناضول، في تقرير نشرته في 8 أكتوبر، بأن بعثة الأمم المتحدة أكدت استعدادها للتواصل مع القيادة الجديدة لمجلس النواب وأعضائه لدفع خارطة الطريق نحو الانتخابات، في إشارة إلى استمرار المسار الأممي رغم التغيير داخل رئاسة المجلس.
هل يقود التغيير إلى تسريع التسوية السياسية؟
تتوقف الإجابة عن هذا السؤال على قدرة القيادة الجديدة على تجاوز الخلافات داخل مجلس النواب، وبناء تفاهمات قابلة للتنفيذ مع المجلس الأعلى للدولة وبقية الأطراف الليبية، فضلًا عن التعامل مع الملفات الخلافية المتعلقة بالقوانين الانتخابية والسلطة التنفيذية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
كما تظل مسألة المشروعية الإجرائية ذات أهمية خاصة؛ إذ أوردت تقارير ليبية أن تغيير رئاسة المجلس جاء وسط خلاف بشأن الوضع القانوني للجلسات التي شهدت تعديل اللائحة الداخلية وانتخاب القيادة الجديدة، في حين أعلنت البعثة الأممية استعدادها للتعامل مع القيادة الجديدة ودعم المسار السياسي. ويجعل ذلك الالتزام بالإجراءات المؤسسية عاملًا أساسيًا في تعزيز استقرار القرارات المقبلة.
وتواجه ليبيا انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا ممتدًا، بعد تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 24 ديسمبر 2021، نتيجة خلافات حول القواعد الدستورية والقانونية المنظمة للاستحقاق الانتخابي وتوزيع السلطات.
وبذلك، لا يبدو تغيير رئاسة مجلس النواب كافيًا وحده لإنهاء الأزمة، لكنه قد يشكل فرصة لإعادة ترتيب العمل التشريعي وتجديد قنوات التفاوض. أما تحويل هذه الفرصة إلى تقدم فعلي، فيتطلب توافقًا وطنيًا، وقرارات مؤسسية واضحة، وجدولًا زمنيًا قابلًا للتنفيذ، بما يضمن عدم تحول الخلاف على القيادة إلى عقبة جديدة أمام الانتخابات.


