تتصاعد المخاوف بشأن أوضاع المسلمين في الهند مع تجدد التوترات الدينية في ولايتين، بعد احتجاجات على مرور مسيرة لمنظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» الهندوسية، المعروفة اختصارًا باسم «آر إس إس»، أمام مسجد في ولاية ماهاراشترا، بالتزامن مع نشر رئيس وزراء ولاية أوتارخاند مقطعًا مصورًا لإزالة مكبرات الصوت من مساجد، في خطوة أثارت انتقادات وتساؤلات بشأن عدالة تطبيق قوانين الضوضاء.
وتكشف التطورات، التي شهدتها مناطق هندية الأحد 25 أكتوبر 2026، عن تداخل ثلاثة ملفات حساسة: حرية ممارسة الشعائر الدينية، وحدود صلاحيات السلطات في تنظيم التجمعات والأصوات، وتأثير الاستقطاب السياسي في العلاقات بين المسلمين والهندوس.
ماهاراشترا.. خلاف على مسيرة يتحول إلى مواجهات
بدأت الأحداث في قرية كينجاون بمنطقة جالجاون في ولاية ماهاراشترا، عندما اعترض سكان على مرور مسيرة تنظمها «آر إس إس» أمام مسجد. وتصاعد التوتر بعدما نظمت نساء مسلمات احتجاجًا في الطريق أمام المسجد، قبل الإبلاغ عن تبادل رشق الحجارة بين مجموعتين.
وتدخلت الشرطة باستخدام الهراوات لتفريق المحتشدين، ووصلت قيادات أمنية إلى المنطقة، فيما أُبقيت تعزيزات أمنية لمنع تجدد المواجهات.
وقال قائد شرطة منطقة جالجاون، شريكانت ديفاري، إن الوضع عاد إلى الهدوء، موضحًا أن المسيرة حصلت على تصريح رسمي، وأن الشرطة حاولت إقناع المحتجين بالسماح لها بالمرور قبل التدخل لتفريق الحشود.
واكتملت المسيرة تحت الحماية الأمنية، لكن الحادث أعاد فتح النقاش بشأن تنظيم المواكب الدينية في المناطق المختلطة دينيًا، ومدى مراعاة السلطات لحساسية مرور التجمعات أمام دور العبادة.
ولا تكفي المعلومات المتاحة حتى الآن لتحديد المسؤولية النهائية عن اندلاع العنف أو تسلسل الأحداث الذي أدى إلى رشق الحجارة، وهو ما يجعل التحقيق المستقل والشفاف ضروريًا لمنع تحميل جماعة دينية بأكملها مسؤولية تصرفات أفراد.
أوتارخاند.. مكبرات المساجد تشعل جدلًا جديدًا
في ولاية أوتارخاند، نشر رئيس الوزراء بوشكار سينغ دهامي، السبت، مقطعًا مصورًا يظهر إزالة مكبرات صوت من أعلى بعض المساجد، مبررًا الخطوة بضرورة مكافحة التلوث الضوضائي.
وقال دهامي إن التلوث الصوتي يضر بالجميع، وإن مسؤولية السلطات والمجتمع تقتضي بذل الجهود للحد منه.
لكن نشر مشاهد إزالة مكبرات الصوت من المساجد تحديدًا أثار تساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي بشأن ما إذا كانت الإجراءات تشمل أيضًا مكبرات الصوت المستخدمة في المواكب والاحتفالات الدينية الأخرى.
وذهب منتقدون إلى أن المشكلة لا تتعلق بمبدأ تنظيم الضوضاء، بل بمدى تطبيق القواعد بصورة متساوية على جميع المكونات الدينية. ورأى بعض المعلقين أن توقيت الحملة قد يتصل بالمنافسة السياسية والاستعداد للانتخابات المقبلة في الولاية، غير أن هذا التفسير يظل رأيًا متداولًا لا دليلًا حاسمًا على دوافع الحكومة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة لأن تطبيق القوانين بصورة انتقائية، إذا ثبت، قد يعمق شعور التهميش لدى الأقليات ويزيد الشكوك بشأن حياد المؤسسات المحلية.
ماذا يقول القانون الهندي؟
يقدم الإطار القانوني الهندي صورة أكثر تعقيدًا من الاختيار بين السماح المطلق بمكبرات الصوت أو منعها بالكامل.
فالدستور الهندي يكفل حرية الاعتقاد وممارسة الدين، لكنه يضعها ضمن ضوابط تتعلق بالنظام العام والصحة والحقوق الأخرى. كما تنظم قواعد التلوث الضوضائي لعام 2000 استخدام مكبرات الصوت وأنظمة الإعلان العام، وتشترط الحصول على إذن من السلطات المختصة، مع فرض قيود على استخدامها ليلًا.
وفي حكم للمحكمة العليا الهندية صدر عام 2000 في قضية «كنيسة الله ضد جمعية سكان ماجيستك كولوني»، أكدت المحكمة أن ممارسة الشعائر الدينية لا تمنح حصانة من القواعد المتعلقة بالضوضاء، وأن الحق في العبادة لا يبرر الإضرار براحة الآخرين.
كما تناولت المحكمة العليا في حكمها الصادر عام 2005 بشأن التلوث الضوضائي ضرورة إنفاذ القواعد المنظمة لمستويات الصوت.
وتعني هذه السوابق أن الاعتراض القانوني لا ينبغي أن ينصب على أصل تنظيم الضوضاء، بل على معايير تطبيقه: هل توجد مخالفات موثقة؟ وهل جرى قياس مستويات الصوت؟ وهل أُتيحت للمساجد فرصة الامتثال؟ وهل اتُّخذت إجراءات مماثلة بحق المخالفين من جميع الجماعات الدينية؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت الإجراءات تطبيقًا مشروعًا للقانون أم ممارسة تثير مخاوف التمييز.
المؤسسات الإسلامية.. بين الاعتراض القانوني وحماية الحقوق
تتابع مؤسسات إسلامية هندية، من بينها «جمعية علماء الهند» و«مجلس الأحوال الشخصية للمسلمين في الهند» و«الجماعة الإسلامية الهندية»، ملفات تتعلق بحقوق المسلمين والأماكن الدينية والإجراءات الحكومية في عدد من الولايات.
وقد أعلنت جمعية علماء الهند، برئاسة مولانا محمود أسعد مدني، في يونيو 2026 اعتراضها على هدم مساجد ومواقع دينية في مناطق من ولاية راجستان، معتبرة أن الإجراءات التي تتجاوز الأصول القانونية تمس الحقوق الدستورية وحرية العبادة. كما اتخذت الجمعية مواقف قانونية بشأن قضايا أخرى مرتبطة بالأماكن الدينية.
لكن لا تتوافر في المعلومات المنشورة عن أحداث 25 أكتوبر تصريحات مباشرة موثقة لهذه المؤسسات بشأن إزالة مكبرات الصوت الأخيرة في أوتارخاند أو المواجهات في كينجاون؛ لذلك لا يصح نسبة موقف محدد إليها من الواقعتين دون بيان رسمي.
وتبرز هنا أهمية تحرك المؤسسات الإسلامية عبر المسارات القانونية، وتوثيق أي تفاوت في تطبيق القواعد، وطلب بيانات رسمية بشأن عدد المواقع الدينية التي شملتها الإجراءات، وطبيعة المخالفات المسجلة، ومدى شمولها للمعابد والمواكب والتجمعات العامة.
رأي الخبراء.. المعيار هو المساواة أمام القانون
تقدم الأحكام القضائية الهندية معيارًا يمكن الاستناد إليه لتقييم الأزمة، يتمثل في التوفيق بين حرية الدين وحقوق السكان في الراحة والهدوء، دون منح أي جماعة امتيازًا أو تحميلها أعباء إضافية بسبب هويتها الدينية.
ولا توجد، حتى الآن، تصريحات موثقة لخبراء مستقلين بشأن الواقعتين تحديدًا يمكن نقلها بوصفها تقييمًا مباشرًا لهما. ومع ذلك، فإن المبادئ القانونية المستقرة تفرض على السلطات إثبات المخالفات وتطبيق الإجراءات وفق معايير معلنة، بدلًا من الاعتماد على الانطباعات أو الصور الانتقائية.
أما في قضية المسيرة، فإن حصول المنظمين على تصريح لا يلغي مسؤولية الشرطة عن حماية دور العبادة والمحتجين معًا، وضمان عدم الاعتداء على أي طرف. كما أن الاعتراض على المسيرة لا يبرر العنف، تمامًا كما لا يبرر التصريح بها تجاهل أي مخاطر أمنية يمكن توقعها ومعالجتها.
ماذا بعد؟ ثلاثة مسارات محتملة
المسار الأول: الاحتواء القانوني. قد تتراجع حدة التوتر إذا أعلنت السلطات تفاصيل الإجراءات، وفتحت تحقيقًا في مواجهات ماهاراشترا، وطبقت معايير الضوضاء على جميع دور العبادة والتجمعات دون تمييز.
المسار الثاني: اتساع الاحتجاجات. إذا استمرت إزالة مكبرات الصوت دون توضيحات كافية، أو ظهرت أدلة على تفاوت المعاملة، فقد تتصاعد الاحتجاجات المحلية وتتحول إلى حملات تقودها منظمات مدنية ودينية، مع اللجوء إلى القضاء.
المسار الثالث: توظيف الأزمة سياسيًا. إذا استمر تداول المقاطع المصورة في بيئة سياسية مستقطبة، فقد تتحول الحوادث المحلية إلى مادة للتعبئة الطائفية، بما يزيد صعوبة احتواء الخلافات حتى بعد انتهاء المواجهات المباشرة.
في النهاية لا تكمن خطورة ما يجري في إزالة مكبرات صوت أو مرور مسيرة أمام مسجد فحسب، بل في احتمال تراجع الثقة بأن القانون يحمي الجميع بالقدر نفسه.
ومن حق السلطات الهندية تنظيم الضوضاء وحماية النظام العام، كما أن من حق المواطنين الاعتراض السلمي على أي إجراء يرونه مجحفًا. لكن الاختبار الحقيقي هو أن تخضع المساجد والمعابد والمواكب للمعايير نفسها، وأن تستند القرارات إلى مخالفات قابلة للتحقق، لا إلى الهوية الدينية.
كذلك، فإن المؤسسات الإسلامية مطالبة بتوثيق الوقائع والتحرك القانوني، وتجنب الخطاب الذي يوسع دائرة المواجهة، مع مطالبة السلطات بكشف نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات.
وإذا لم تقدم الحكومات المحلية إجابات واضحة بشأن المساواة في تطبيق القانون، فقد تتجاوز تداعيات هذه الأحداث حدود قريتين أو ولايتين، لتصبح جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بالتعايش الديني والثقة في المؤسسات الدستورية الهندية.

