أعرف داعية أزهريا نال الدكتوراه في الحديث، وهو جدير أن يكون عالما جيدا فمعارفه عظيمة ومعلوماته فسيحة، إلا أن الرجل للأسف لا يعيش إلا للتصوف، ولا يتكلم إلا في التصوف، ولا يخوض معاركه إلا من أجل التصوف، ولم أجد نفسي أمام شعوري بالخسارة الكبيرة على أمثاله، إلا أن أوجه له رسالة ونصيحة قلت فيها: لكم أتمنى أن أراك عالما لكل الأمة، وملاذا لكل الناس على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، أنت عالم جدير فانذر حياتك للعلم الذي يجمع الناس ويؤلف بينهم، ولا ترم بنفسك في أتون المذهبية الضيقة، عيب فيك أن تكون عالما بهذا القدر وتكون ميادين عراكك على مسائل التوسل بالأولياء والتمسح بالأضرحة وجواز إقامة حضرات الذكر وشرعية الرقص والوجد فيها.
الدعوة اليوم تحتاج أمثالك أن يوحدوا صفوفها ويرفعوا لواءها.
انتهت رسالتي إلى الرجل ولا أعرف إن كان كلامي نال من عقله تفكيرا وتأملا أم لا؟ فبعض العارفين قد يرزق العلم ولا يرزق الفقه والفهم، الذي يقوده للصواب.. وأحيانا تكون العقبة فيمن حوله من حشود المريدين والأتباع، الذين يشكلون غمامة هائلة يمكن أن تحجبه عن الحق، حينما يتصور أنه وهم أهل البصيرة وحدهم وغرباء الإسلام في هذا الزمان.
كثير من الدعاة اليوم تابعون لمذاهب وأفكار خاصة متنوعة، وهي وإن كانت كلها من الإسلام وتمثله إلا أن لكل منها سمته وطبيعته الخاصة التي تميزه عن غيره وتعرف به، وتظهر تمايزه.
فإذا قرأت أو سمعت لصوفي، فمن السهولة جدا أن تعرف فكره وانتسابه ومذهبه، وكذلك الحال في السلفي والإخواني والتبليغ والدعوة وحتى الشيعة.
ومن هنا ظهر التصنيف، فمن خلال الكلمات أو المصطلحات المستخدمة، والتي تعبر عن طبيعة المذهب والطريق والثقافة التي نشأت عليها وفيها يمكن تصنيفك بسهولة، وليس الأمر مقتصرا على الكلمات فقط، بل يكون ذلك في طبيعة شكل ونوع القضايا والموضوعات التي يتناولها المتحدث، فأغلب ما يتناوله الصوفي في حديثه، هو قضايا الذكر والأولياء والتوسل والتبارك بالصالحين وطلب المدد من الحجر والشجر، وكذلك تجد أغلب حديث السلفي حول التمسك بالسنن وفرضية اللحية والنقاب وتقصير الثياب، ويتخذ من المظاهر الدينية قضية حياة.
اما الإخواني فلا تشغل باله هذه المسائل، وإنما يتكلم دومًا في السياسة ويمزجها بالدين، ويركز على قضايا الفساد وفلسطين وغيرها من العموميات، وإذا استمعت إلى داعية التبليغ والدعوة، فإن قضية وجوده في الحياة، هي الخروج في سبيل الله، أما الشيعي فكل شيء في حياته هو الحسين، بل إن الحياة كلها لم توجد إلا من أجل الحسين، وهو الشمس والقمر والنجوم والكواكب وهو الهدف من الخلقة! وبعض طوائفهم يعبدون الحسين، فالحسين عقيدة ودين وحج وجهاد وكل شيء.
والداعية المؤدلج، دائما ما تراه مخلصا للمذهب قبل إخلاصه للإسلام بمجمل مفاهيمه، لأنه يتصور حسبما فهم وتعلم، أن مذهبه وطريقه هو الإسلام، وأن مذهبه هو الممثل الحقيقي لمفاهيم الدين، وهو السبيل الذي إن حرص عليه في الخطاب الدعوي، فإنه سيفرق الناس ويولد العصبيات، وينشئ التحزبات والخصومات، فكل طريق سيتعصب له أتباعه، ويقومون في وجه ذلك الداعية الذي يؤثر طريقه بالإعلان والترجيح والحديث.. بل المشكلة الأعمق أن بعضهم صار لا يستطيع الابداع والتجلي إلا في إطار لونه الفكري الذي تشبع به، ويصير ما نطالبه به اليوم من قبيل الصعب المستحيل.
ومن ثم نرى أنفسنا في هذه المرحلة أحوج ما نكون إلى الخطاب الجمعي الذي يتناول الإسلام بشموله، ولا يقف عند تصورات خاصة، نريد للجميع أن تجمعهم مظلة واحدة، ولا يضيقون واسعا، ولا تأخذهم العصبية بعيدا عن توحيد الكلمة والغاية.
سمعت أن بعض العلماء حينما ذاعت شهرتهم، وطلبهم الناس والتفوا حولهم، تركوا جماعاتهم التي كانوا يعملون في ظلالها وينتسبون إليها، بحجة أنهم اليوم صاروا علماء ومن واجب العالم، أن يكون لكل الناس، ولا يقف عند تيار بعينه.
وربما يقرأ هذا الكلام بعض من لا ينتمون لأي طريق أو مذهب، ويقولون الحمد لله الذي عافانا من التيارات والمذاهب، وإذا بهم يخلقون خطاب الكراهية لكل الاتجاهات، وأحب أن أقول لهؤلاء: أنتم أيضا محسوبون بفهمكم كتيار له سمته وخطابه وسماته، وتجسدون اتجاها آخر وهو اتجاه (اللامنتمي) وأن خطابكم لو لم يكن مجملا بسياج الالفة والمودة والرفق والتعقل، فسوف تشقون صفوف المسلمين، وكثير من أتباع هذا التيار، يكونون في أمس الحاجة لفقه الخطاب الجمعي ليكون سبيلا لجمع الصفوف.
وأنا أعلم أن هناك صواب وخطأ، وهناك راجح ومرجوح، بل هناك حق وباطل.. وكل تيار يرى نفسه الأحق بالحق، وكل سبيل يجمع لنفسه من الأدلة والبراهين، مايرى نفسه بها أنه أهل البينة، ولن تستطيع مهما كانت حجتك أن تقنع المخالف بصلاحية منهاجك، وأنك الأهدى سبيلا.
وإذا كنا على هذا الحال، فلا منجاة امامنا إلا أن نلزم الخطاب الجمعي في الدعوة إلى الله، وأن نرابط على الأسس والأصول الدينية التي تجمع بين المخالفين وتؤلف بين المتباينين.
ليتخلى كل داعية عن عصبيته لجماعته وطريقه، وليكن هاديا للإسلام وحده بالصورة التي يقبلها الجميع ويقبلها الله ورسوله، بلا تعنت أو تحيز أو تشنج أو مغالاة.


