الربح من أزمة الحرب على إيران
أعادت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران رسم مشهد أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل أيضًا من خلال موجة أرباح ضخمة تحققها كبرى شركات الوقود الأحفوري، في وقت يتحمل فيه المستهلكون والاقتصادات الفقيرة فاتورة التصعيد العسكري والتوترات الجيوسياسية.
وبحسب تقديرات وتحليلات مالية حديثة، تتجه ست من أكبر شركات النفط العالمية إلى تسجيل أرباح هائلة خلال عام 2026، مستفيدة من اضطرابات الإمدادات والمخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وتشمل هذه الشركات: BP، Chevron، ConocoPhillips، ExxonMobil، Shell، وTotalEnergies.
3 آلاف دولار أرباح كل ثانية
تشير التقديرات إلى أن الشركات الست الكبرى قد تحقق ما يقارب 94 مليار دولار من الأرباح خلال 2026، بمعدل يقترب من 2980 دولارًا في الثانية الواحدة، مدفوعة بالارتفاعات المتواصلة في أسعار النفط والغاز منذ تصاعد التوتر العسكري في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس ما بات يُعرف بـ“اقتصاد الحروب”، حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية إلى فرص استثنائية لتعظيم الأرباح، في ظل استقرار نسبي لكلفة الإنتاج مقارنة بالقفزات الكبيرة في أسعار البيع العالمية.
13 مليار دولار إضافية بسبب الحرب
وتقدّر التحليلات أن التوترات المرتبطة بالحرب والتخوفات من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز ستضيف نحو 13 مليار دولار إضافية إلى أرباح قطاع الوقود الأحفوري، بما يمثل زيادة تقارب 17% مقارنة بعائدات العام الماضي.
ويؤكد خبراء أن الأسواق النفطية تتفاعل سريعًا مع أي تهديد للإمدادات، ما يدفع الأسعار للصعود، بينما تستفيد الشركات الكبرى مباشرة من هذه القفزات دون ارتفاع مماثل في تكاليف التشغيل.
فاتورة اجتماعية قاسية
لكن الوجه الآخر لهذه الأرباح يتمثل في ارتفاع تكلفة المعيشة عالميًا، خاصة في الدول الفقيرة والنامية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الغذاء والنقل والإنتاج.
وتحذر تقديرات أممية من أن استمرار الأزمة قد يدفع نحو 30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، في وقت تنفق فيه الأسر في الدول منخفضة الدخل نسبة أكبر بكثير من دخولها على الغذاء مقارنة بالدول الغنية.
ويرى اقتصاديون أن الحرب لا تُعيد فقط توزيع الثروة لصالح شركات الطاقة، بل تُعمّق أيضًا فجوة عدم المساواة العالمية، مع تحميل الفئات الأكثر هشاشة كلفة التقلبات الجيوسياسية.
الطاقة النظيفة تتراجع
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن تدفع فيه الأزمات نحو تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، تشير التطورات الأخيرة إلى اتجاه معاكس، إذ تستخدم بعض الحكومات وشركات النفط الحرب كمبرر لتوسيع الاستثمارات في الوقود الأحفوري.
وفي هذا السياق، أعلنت ExxonMobil خفض استثماراتها المخصصة لمشروعات الطاقة منخفضة الكربون بنحو الثلث، فيما رفضت TotalEnergies تبني خطة تتماشى مع هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية.
ويحذر خبراء المناخ من أن استمرار هذا التوجه قد يؤدي إلى إبطاء التحول الطاقوي عالميًا، ويزيد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، رغم التحذيرات البيئية المتصاعدة.
وفي المحصلة، تكشف الأزمة الإيرانية مجددًا كيف تتحول الحروب إلى محركات أرباح لشركات الطاقة الكبرى، بينما يدفع المواطن العادي الثمن عبر التضخم وارتفاع تكاليف الحياة، في معادلة اقتصادية تتكرر مع كل أزمة جيوسياسية كبرى.


