حين يعتلي المنصة الصراخ، ويكثر الضجيج الذي يصم الآذان، أجدني أبحث عن مكان في مساحة هدوء؛ فوجع الرأس يضعف التركيز، ويحجب الرؤية رغم فظاعة السقوط.. سقوط الرأي في “موانع التفكير”.
هناك، حين تستفز الكلماتُ الجمهور التواق للوفاق، ولردم الهوة، تجدني عالقاً بين فكري ومشاعري، أتحاشى بكل ما أوتيت من حب أن أخسر إنساناً تباعدت بيننا وبينه مساحات التفكير. إن اللقاء، وتلك الهمسة التي صنعت بيننا ألفة، أغلى من أن يذروها ريح الخلاف، رغم ما يصاحب هذا اللقاء من ألم.. خاصة حين يساء للوطن بدعوة “تحرر الفكر” أو “حرية الأنا” الضيقة.
إنني أتألم لأنني أحب الائتلاف، وأفضل رأب الصدع وتجميع الأجزاء المتنافرة؛ فالأرض التي تأوينا جمعتنا لنلتقي على الصفاء والإخاء. قد نختلف في الأزياء، في لهجة اللسان، وفي ترنيمة الغناء، لكن الدماء التي جرت في عروقنا شكلت هويتنا، وعذب الماء الذي سقيناه ساغ به نبوغنا.. فما أجمل أن نلتقي!
لكن، كيف نلتقي وفينا من يعشق الشتات؟
هنا تتجلى مصيبة الفكر المتعصب، في نخبٍ تبنت “الراديكالية الإقصائية” وأمنت بثقافة الصدام. نخبٌ تنبش في ركام التاريخ لتعيد قراءته من خرم إبرة “المظلومية الصافية”، لا لإحقاق حق، بل لنسف جسور التواصل التي بنيناها باللقاء والألفة.
إن خطر هؤلاء يكمن في انغلاق الأفق؛ حيث يسجنون العقل في زاوية الجراح التاريخية، فتصاب النخبة بنرجسية ثقافية لا ترى إلا ندوبها، وتعمى عن آفاق المستقبل المشترك. إنهم يمارسون منطقاً صدامياً يرفض بديهية “التعددية”، ويحول كل من لا يتوافق مع روايتهم إلى “عدو” أو “دخيل” يجب إقصاؤه.
يا له من وجع.. أن تتحول الهوية التي أردناها وعاءً جامعاً لكل روافدنا (الأمازيغية، العربية، الإسلامية) إلى سكين يمزق النسيج الاجتماعي، ويقسمنا إلى “مركز” و”هامش”. إن أي فكر لا يقر بالانصهار التاريخي والتعايش الحقيقي، هو فكر يراهن على “الصراع الصفري” ويعيدنا دوماً إلى نقطة الصفر؛ حيث لا رابح إلا الضجيج، ولا خاسر إلا الوطن.
ختاماً..
ستبقى الهوية الحقيقية صمام أمان للتلاحم، لا أداة للتقطيع. والنخب الواعية هي التي تحرس هذا الصمام بالكلمة الطيبة والوفاق، ليبقى اللقاء -كما كان دوماً- هو غايتنا الأسمى وسط هذا الضجيج.







