في دهاليز السياسة، حيث تضيع البصائر وتُختبر الضمائر، تبقى السياسة ذلك الإناء المتسخ الذي لا يحافظ على نقاء من يُلقى فيه. ندخلها بقلوب بيضاء، فنخرج بأنفسٍ معتلة، لا لأننا تغيرنا، بل لأن طبيعة المكان تأبى الطهارة. تأملات في تلك المعمعة، نقف فيها على جواهر نثرية خالدة، لا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نتركها تتحدث بجرحها الصادق، ونحن نُهيئ لها المجال.
ما أقبح وجه السياسة، يدخل النظيف طاهرا، يخرج منها مجروحا أو مخدوشا أو مفضوحا. و لا يشك الخابر نَبَلَ طهره، ولكنها سؤر السياسة الملعونة.
وهكذا يبقى الطاهر شهيداً على طهره، ونَبَلُه شاهدٌ لا يُمحى، والملعونة تبقى تلعن من يلمسها، فما أقسى أن تكون النظافة دليلاً على الذنب، وأن يكون الجرح شهادةً على الصدق، وأن يظل نبل الطاهرين هو سؤر الحقيقة في زمنٍ ضاع فيه الميزان.
من الأطهار أحببناهم قبل المواسم، باتوا نكرة أي معدومة الأثر، يأتي المهزوم والمغرور وصيّاد العثرات، ليكتب تاريخ الملحمة. ثم يأتي الغريم فينزل قدرهم في الوحل.
تلك هي سنة المواسم، ترفع أقواماً وتخفض آخرين، وتجعل من عظماء الأمس أثراً بعد عين. يكتب الملحمة من لم يعشها، وينزل الغريم من كان فوقه، والوحل يبتلع الجميع إلا من كان على صهوة الحق، ولا يبقى للأطهار سوى ذكراهم التي يسرع الغريم إلى طمسها، فينزل قدرهم إلى حيث لا يُرفع.
وديدن السياسة عند أهلها فن الممكن، وفعل تقديم النفع والخدمات، هي في ميزان أهلها وضع كفة الصلاح والكفاءة في موضعها الصحيح.
ولا يبالي أن يأتي النبّاح والصيّاح وقوّال ليصنع الفرجة في ساحة السوق القديم، لتمنح بقشيش ودريهمات نظير الفرجة، يومها كنا نستمع ونسرح في خيال المتعة.
وتلك حقيقة مقررة في ميادين السياسة.
فهذا هو الديدن حين يُحترم، وتلك هي الحقيقة حين تستقر. لكن بين الديدن الشريف والواقع السوقي، تبقى السياسة معلقة بين أن تكون فناً راقياً يُوزن بالصلاح، وبين أن تكون سيركاً يصفق له السفهاء، ويُباع فيه الوهم بالبقشيش والدريهمات، ونحن نسرح في خيال المتعة غافلين.
ليت الكيس منهم تعامل بأخلاق السوق وأعراضه؛ والسوق تعرض البضائع مختلفة الجودة والأسعار والكل يشتري قدر ذوقه وقدر مصروفه، دون ضجيج أو صراخ، بل الجميل أننا نلقى أحبابا عز لقاؤهم، يمنحنا الموسم فرصة لقائهم.
في نهاية المطاف، تبقى السياسة مرآة تعكس ما في النفوس قبل ما في البرامج. فمن دخلها طاهراً، خرج مجروحاً لكن جرحه شهادة، ونَبَلُ طهره لا يشك فيه الخابر. ومن دخلها غريماً، خرج من الوحل منتصراً لكن انتصاره مؤقت. ولو أن الكيس منهم، أي العقلاء والحكماء، تعاملوا بأخلاق السوق النزيه، حيث البضاعة تُعرض كما هي، والأسعار معلنة، واللقاء بالأحباب عزّ لا يُشترى بالدريهمات، لكانت السياسة فناً حقاً، ولما كان الطاهر يخرج منها إلا منتصراً بجراحه، والغريم إلا خاسراً بغلبتها. لكنها، للأسف، تبقى سؤراً ملعوناً، لا ينجو منه إلا من لم يدخله، أو من دخل فخرج وبه من الندوب ما يكفي ليكتب به تاريخاً آخر غير تاريخ الملحمة المزيفة.


