د. أيمن العاني:
-
نزع السلاح يتطلب تغييراً جذرياً لبنية النظام السياسي وتجاوز المحاصصة، ولا يمكن إنجازه بقرارات شكلية.
-
يجب احتكار الدولة للقوة، مع التنبيه إلى غياب الشروط السياسية والضمانات الوطنية في ظل أزمة السيادة.
-
الدمج لا يلغي المساءلة القانونية أو الفردية عن الجرائم والانتهاكات السابقة.
-
العدالة المستدامة ترفض التغاضي عن حقوق الضحايا، وتتطلب كشف الحقيقة وجبر الضرر عبر قضاء مستقل غير انتقائي.
-
لا ديمقراطية حقيقية تحت تهديد السلاح والمال السياسي، والحاجة ماسة لحماية الناخبين والصحفيين.
-
حصر السلاح يدار ضمن توازنات بين واشنطن وطهران، والحل يتطلب انتزاع القرار العراقي المستقل.
-
يجب إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب، فرض سيادة القانون على الأقوياء قبل الضعفاء، وحسم ملف المغيبين والاعتقال التعسفي.
حوار: محمد أبو سبحة
يأتي ملف “حصر السلاح بيد الدولة” في العراق ليكون أحد أكثر الملفات تشابكاً وحساسية؛ إذ لا يقف عند حدود الإجراء الأمني الداخلي، بل يتقاطع مع أزمة السيادة الوطنية، وتعدد مراكز النفوذ، وتوازن الإرادات الإقليمية والدولية. وفي ظل السجال القائم حول تشريعات وآليات تطبيق هذا المحور، تطرح تساؤلات جوهرية حول ضمانات العدالة، ومستقبل العدالة الانتقالية، وما إذا كانت الترتيبات الراهنة تؤسس لاستقرار دائم أم تدير التوازنات السياسية على حساب سيادة الدولة وحقوق المواطنين.
للإجابة عن هذه المسائل، أجرت جريدة “الأمة” الإلكترونية هذا الحوار الخاص مع الدكتور أيمن العاني، مسؤول قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق؛ لتفكيك إشكاليات نزع سلاح الميليشيات، وشروط الانتقال الآمن نحو دولة المواطنة، وموقفه من قضية الإفلات من العقاب، وكيفية حماية العملية الديمقراطية وحرية التعبير من سطوة النفوذ المسلح.
1- لديكم تحفظ على تطبيق قانون نزع السلاح في العراق، كما أن لديكم رفضاً لاستمرار الانفلات الأمني في البلاد، هل يمكن أن تفصل لنا موقفكم من مسألة حصر السلاح في يد الدولة؟
بدايةً، أشكركم على إجراء هذا الحوار وتسليط الضوء على ملف مهم وحساس من ملفات الشأن العراقي، لما له من ارتباط مباشر بأمن المواطنين، واستقرار الدولة، ومستقبل الحياة السياسية في العراق.
نحن لا نختلف على المبدأ؛ الدولة يجب أن تحتكر القوة، ولا يمكن بناء دولة مستقرة وحماية حقوق المواطنين في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. لكن المشكلة أن تطبيق هذا المبدأ في العراق لا يجري داخل دولة مكتملة السيادة أو مستقرة مؤسسياً.
لذلك فالسؤال ليس فقط: كيف نحصر السلاح؟ وإنما أيضاً: من يقرر ذلك؟ ولصالح من؟ وتحت أي ضمانات؟ وهل القرار عراقي فعلاً؟
الحالة العراقية لا يمكن التعامل معها بوصفات جاهزة مستمدة من تجارب الدول المستقرة؛ لأن مسألة السلاح في العراق ترتبط بأزمة السيادة، وتعدد مراكز القرار، والتدخلات الإقليمية والدولية، وضعف قدرة الدولة على فرض إرادتها بصورة مستقلة.
ولهذا فإن تحفظنا لا يتعلق بمبدأ حصر السلاح، وإنما بالطريقة والتوقيت والضمانات، حتى لا تتحول العملية إلى إجراء انتقائي يستهدف طرفاً ويترك آخر، أو إلى مسار يقود إلى صدام داخلي يدفع المواطن ثمنه.
المطلوب مسار وطني واضح يخضع فيه الجميع للقانون دون استثناء، وينهي السلاح خارج مؤسسات الدولة. والأهم ألا تتحول عملية الحصر إلى مجرد تسجيل للأسلحة أو تنظيم حملها، لأن ذلك قد يعني عملياً إضفاء صفة قانونية على واقع غير مشروع بدلاً من إنهائه.
وهنا أقول: هل تتوفر شروط ذلك في العراق اليوم؟ للأسف، لا.
فبناء دولة ذات سيادة لا يمكن أن يتم بقرار غير سيادي، ولا ينبغي أن تتحول استعادة الدولة إلى إعادة إنتاج تبعيتها بصورة أخرى.
2- ما السيناريو الذي يمكن أن يحقق انتقالاً آمناً من واقع تعدد القوى المسلحة إلى دولة تمتلك وحدها قرار استخدام القوة، من دون أن يؤدي ذلك إلى فراغ أمني أو صدام داخلي؟
لا أعتقد أن النظام السياسي القائم قادر اليوم على إنجاز هذا الانتقال بالشكل الآمن والمطلوب؛ لأن المشكلة لا تتعلق بالسلاح وحده، وإنما ببنية سياسية نشأت فيها علاقة متداخلة بين السلطة والقوى المسلحة، حتى أصبح بعضها جزءاً من العملية السياسية ومؤسسات الدولة في الوقت نفسه. وتشير تحليلات حديثة إلى أن معالجة ملف الفصائل المسلحة تتطلب تغييراً عميقاً في بنية النظام السياسي الذي تشكل بعد 2003، وليس مجرد قرار أمني أو قانوني.
ولهذا فإن الحديث عن نزع السلاح وكأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع القوى هو تبسيط للمشكلة. كيف يمكن لمنظومة سياسية تستند بعض توازناتها إلى قوى تمتلك السلاح والنفوذ السياسي أن تعيد احتكار القوة بصورة كاملة؟ هنا تكمن المفارقة.
نحن لا نقول إن الانتقال مستحيل، وإنما نقول إن شروطه السياسية غير متوفرة في ظل النظام الحالي. والانتقال الآمن يحتاج أولاً إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة المواطنة وسيادة القانون والاستقلال عن المحاصصة والنفوذ المسلح والتدخلات الخارجية.
بعد ذلك يمكن الانتقال تدريجياً إلى توحيد القرار الأمني والعسكري، وفق خطة واضحة وسقف زمني وضمانات سياسية وأمنية، مع دمج من تنطبق عليهم الشروط المهنية والقانونية داخل مؤسسات الدولة على أساس فردي، لا باعتبار الفصائل كيانات مستقلة تحتفظ بقيادتها وسلاحها.
أما أن نطلب من النظام نفسه أن ينزع سلاح القوى التي تشارك في إنتاج توازناته وحمايته، فهذا يعني مطالبته بإعادة تشكيل موازين القوة التي قام عليها.
لذلك فإن المشكلة ليست في غياب الخطة فقط، بل في غياب البيئة السياسية القادرة على تنفيذها.
وأي نزع للسلاح قبل إصلاح بنية الدولة قد يتحول إلى صراع على النفوذ، لا إلى بناء دولة. أما عندما تصبح الدولة صاحبة القرار المستقل، فإن حصر السلاح يصبح نتيجة طبيعية لبناء الدولة، لا مجرد قرار تفرضه حكومة على قوى أقوى منها.
3- إذا أصبحت جماعة مسلحة جزءاً من منظومة أمنية رسمية، فمن يتحمل المسؤولية القانونية عن الانتهاكات السابقة التي يُتهم أفرادها بارتكابها؟ وهل يمكن أن تمنح الصفة الرسمية حصانة من المساءلة؟
الصفة الرسمية لا تمحو الجريمة، والانتقال من وضع مسلح إلى وضع رسمي لا ينبغي أن يكون طريقاً إلى الإفلات من العقاب.
المسؤولية يجب أن تكون فردية ومحددة: من ارتكب جريمة يحاسب عليها، ومن أصدر أمراً غير مشروع يتحمل مسؤوليته، ومن ثبتت مسؤوليته القيادية عن انتهاكات جسيمة يخضع للمساءلة وفق القانون.
ولا ينبغي أن تكون هناك معادلة تقول إن الانضمام إلى مؤسسة أمنية يعني إغلاق الملفات السابقة. الدولة عندما تدمج شخصاً في مؤسسة رسمية تمنحه صلاحيات ومسؤوليات جديدة، لكنها لا تمنحه حصانة من المساءلة، ولا تعني عملية الدمج تبرئته من أفعال سابقة تثبت مسؤوليته عنها.
المصالحة شيء، والإفلات من المحاسبة شيء آخر؛ ولا يمكن بناء دولة حقيقية بإلغاء العدالة.
بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر الضحية بأن الدولة لم تحمه في الماضي، ثم قامت لاحقاً بمنح من يتهمهم بالاعتداء عليه سلطة رسمية من دون مساءلة.
4- كيف يمكن تحقيق مصالحة واستقرار دائمين بين طوائف الشعب العراقي؟ وما شكل العدالة التي ترونها للانتهاكات السابقة؟
المصالحة الحقيقية لا تعني أن نطلب من الضحية أن ينسى، ولا أن نساوي بين الضحية والجلاد باسم الاستقرار.
العراق يحتاج إلى مصالحة قائمة على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار. وهذا يتطلب فتح ملفات الانتهاكات، والكشف عن مصير المغيبين، ومعرفة حقيقة ما جرى، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتعويض الضحايا وإعادة حقوقهم وكرامتهم قدر الإمكان.
لكن في الوقت نفسه يجب ألا تتحول العدالة إلى أداة انتقام طائفي. المطلوب قضاء مستقل يطبق معياراً واحداً على الجميع، بغض النظر عن الطائفة أو الحزب أو الجهة المسلحة التي ينتمي إليها المتهم.
العدالة الانتقائية لا تصنع مصالحة، والعفو الشامل عن الجرائم لا يصنع سلاماً.
المصالحة المستدامة تبدأ عندما يشعر العراقي بأن الدولة تحميه بوصفه مواطناً، لا بوصفه فرداً في مكون معين.
5- ما الضمانات التي يحتاجها المواطن والصحفي والسياسي لضمان عدم استخدام السلاح أو النفوذ المسلح للتأثير في حرية التعبير والانتخابات والحياة السياسية؟
الضمان الأول هو إنهاء قدرة أي جهة مسلحة على العمل باعتبارها قوة مستقلة عن الدولة. ثم تأتي ضمانات عملية، في مقدمتها حماية الصحفيين، واستقلال القضاء، ووجود أجهزة إنفاذ قانون مهنية، وحماية الشهود والضحايا، والتحقيق الجدي في الاعتداءات والتهديدات السياسية والإعلامية.
وفي الانتخابات تحديداً، يجب أن تكون هناك قدرة حقيقية على منع استخدام المال السياسي أو النفوذ المسلح لترهيب الناخبين والمرشحين أو التأثير في العملية الانتخابية.
فالديمقراطية لا يمكن أن تكتمل في ظل وجود فصائل مسلحة خارج إطار الدولة. وهي لا تعني فقط أن تدخل إلى مركز الاقتراع وتضع ورقة في الصندوق، بل أن تكون حراً وواعياً قبل الاقتراع وأثناءه وبعده، وقادراً على التأييد أو المعارضة وانتقاد الحكومة أو الحزب أو أي جهة أخرى، من دون خوف على حياتك أو سلامتك.
فصندوق الاقتراع وحده لا يصنع ديمقراطية إذا كان المواطن لا يمتلك الوعي الكافي للاختيار بحرية، ولا يشعر بالأمان في التعبير عن رأيه ومواقفه بعد مغادرته مركز الاقتراع.
الديمقراطية الحقيقية هي أن تكون حراً في اختيارك، وحراً في اعتراضك، وآمناً في التعبير عن اختيارك واعتراضك.
6- التحرك لحصر السلاح في يد الدولة جاء بقرار أمريكي، والعقبات التي تقف أمام تفعيل ذلك نابعة من ممانعة إيرانية لتفكك “محور المقاومة”، فهل تضطر الحكومة برأيكم لسيناريو قائم على إرضاء الطرفين، لا على بسط نفوذها؟
من الواضح أن ملف حصر السلاح يجري اليوم في سياق صراع الإرادات الإقليمية والدولية، ولذلك لم تعد القضية مجرد خلاف عراقي حول السلاح، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع تتقاطع فيه المصالح الأمريكية والإيرانية وغيرها، وتتحول فيه بعض القوى المسلحة داخل العراق إلى أدوات في هذا الصراع وميداناً لتصفية حساباته.
وفي ظل هذا الواقع، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى إدارة توازنات بين أطراف متعارضة، فتسعى إلى صيغة ترضي الجميع بدلاً من فرض قرار الدولة. وهذا هو مكمن الخطر؛ لأن إدارة التوازنات قد تكون ضرورة سياسية مؤقتة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن السيادة.
المشكلة الأساسية أن القرار العراقي لا يزال يتأثر بدرجة كبيرة بصراع الإرادات الخارجية، ولذلك فإن حصر السلاح لن يكون مستقراً ما لم يُحسم أولاً سؤال: من يملك القرار في العراق؟
فإذا كان السلاح جزءاً من أدوات الصراع الإقليمي، فإن التعامل معه كملف أمني داخلي فقط لن يؤدي إلى حل حقيقي.
نحن لا نريد أن ينتقل العراق من نفوذ إلى نفوذ، ولا أن يكون حصر السلاح استجابة لإرادة أمريكية في مواجهة إرادة إيرانية. المطلوب أن يكون القرار عراقياً، وأن تُبنى عملية حصر السلاح على مصلحة الدولة وأمن المواطن، لا على نتائج التفاوض بين القوى الخارجية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنجح الحكومة في إرضاء واشنطن وطهران؟ بل: هل تستطيع أن تنتزع القرار العراقي من هذا الصراع، أم ستبقى تدير نتائجه وتوازناته؟ والإجابة، في ضوء المعطيات القائمة، واضحة: الحكومة لا تزال تدير التوازنات أكثر مما تمتلك القدرة على حسمها وانتزاع القرار العراقي من صراع الإرادات الخارجية. لذا، فإن أي اتفاق حول السلاح قد يكون مجرد تسوية مؤقتة بين القوى المتصارعة، وليس حلاً لأزمة الدولة في العراق.
7- من وجهة نظركم، ما أبرز قضية حقوقية ملحة في العراق بالوقت الحالي وتحتاج لعلاج عاجل؟
أعتقد أن القضية الأكثر إلحاحاً هي الإفلات من العقاب وضعف قدرة المواطن على الوصول إلى العدالة والحماية من القوة الخارجة عن القانون.
ومن هذه المشكلة تتفرع قضايا كثيرة: التغييب والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والتهديدات التي تطال الصحفيين والناشطين والسياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وانتهاكات الحق في الحياة، إضافة إلى قدرة جهات نافذة على الإفلات من المساءلة.
إذا أردنا معالجة حقوق الإنسان في العراق بصورة جدية، فلا يكفي إصدار قوانين جديدة. يجب أن يقتنع المواطن بأن الدولة أقوى من المسلح، والقضاء أقوى من النفوذ السياسي، والقانون ينطبق على الجميع دون تمييز.
وهنا تكمن القضية الأساسية: حقوق الإنسان لا تُحمى بالنصوص وحدها، وإنما بمؤسسات قادرة على فرض هذه النصوص على من يملك القوة.
فالاختبار الحقيقي للدولة ليس قدرتها على إصدار القانون، وإنما قدرتها على تطبيقه على الأقوياء قبل الضعفاء.
خصوصية الحالة العراقية
في الختام، أود التأكيد على مسألة مهمة، وهي خصوصية الحالة العراقية وحدود الحلول الجاهزة؛ فالعراق لا يمكن التعامل معه وفق وصفات مستمدة من تجارب الدول المستقرة؛ فنحن أمام واقع مزمن شديد التعقيد، تتداخل فيه مسألة السلاح مع أزمة السيادة، وتعدد مراكز القرار، والتدخلات الإقليمية والدولية، وضعف قدرة الدولة على فرض إرادتها بصورة مستقلة.
لذلك، فإن المشكلة ليست فقط في وجود قوى مسلحة خارج الإطار التقليدي للدولة، وإنما في السؤال الأعمق: من يملك القرار النافذ في العراق؟
لا خلاف على أن السلاح يجب أن يخضع لسلطة الدولة، لكن المشكلة في كيفية الوصول إلى ذلك ومن يقرر شروطه. لذلك نرفض أن يتحول حصر السلاح إلى عملية انتقائية، أو إلى تسوية إقليمية تُفرض على العراق، أو إلى غطاء لإغلاق ملفات الانتهاكات وإلغاء العدالة.
وقبل أن نسأل: كيف نحصر السلاح؟ يجب أن نسأل: من يقرر ذلك؟ وما شكل الدولة التي ستقوم بذلك؟ ولصالح من؟ وتحت أي ضمانات؟ وهل القرار عراقي فعلاً؟
لأن بناء دولة ذات سيادة لا يمكن أن يتم بقرار غير سيادي، ولا يمكن أن تكون استعادة الدولة مدخلاً لإعادة إنتاج تبعيتها بصورة أخرى.







