في هذا الحوار المعمق، يغوص الصحفي أسامة أبو ضهير مع الباحث عزام أبو العدس في تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي الإسرائيلي بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر، محللين مسارات الدولة التي توصف بأنها تعيش
مرحلة تاريخية مفصلية، مع التركيز على شخصية بنيامين نتنياهو وتداعيات سياساته الإقليمية والداخلية.
مشهد نتنياهو ومسألة الإفلات من المحاسبة
يؤكد عزام أبو العدس أن بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة لم يكن وليد صدفة أو كفاءة إدارية، بل هو نتيجة استراتيجية محكمة تعتمد على ما يمكن وصفه بـ ‘إغراق المشهد’. لقد نجح نتنياهو في تجاوز تداعيات السابع من أكتوبر عبر تفكيك المراكز الأمنية والسياسية التي كانت تشكل خطراً على مستقبله؛ حيث أقدم على إقالة القيادات العسكرية والأمنية التي كان من الممكن أن تكون شاهداً على إخفاقاته، واستبدلها بشخصيات تدور في فلكه الخاص وتدين له بالولاء. كما استغل نتنياهو نفوذه لتجييش الإعلام العبري، محولاً إياه إلى ما يشبه الكتيبة العسكرية التي تروج لسردية ‘حرب الوجود’، مما جعل المجتمع الإسرائيلي يغرق في تفاصيل هذه الحرب وينشغل عن محاسبة المسؤولين عن الفشل الذريع الذي حدث.
أزمة القيادة والجيل الثالث من السياسيين
يُشير الحوار إلى أن إسرائيل تعاني اليوم من أزمة قيادة حادة تتمثل في تراجع جودة النخب السياسية. يفرق الباحث بين جيل التأسيس الذي كان يتمتع برؤية استراتيجية صلبة، وبين الجيل الثالث الحالي الذي يصفه بـ ‘الرعاع’، حيث تغرق هذه النخبة في الفساد والنفعية السياسية وتفتقر لأي أفق استراتيجي بعيد المدى. هذا الضياع الفكري انعكس على المجتمع الإسرائيلي الذي أصبح ممزقاً بين علمانيين يشعرون بالظلم، وحريديم يرفضون الخدمة العسكرية، ومستوطنين متطرفين يسيطرون على أجندة الدولة. نتنياهو، الذي يرى نفسه ‘آخر ملوك بني إسرائيل’، نجح في تفريغ مؤسسات الدولة من محتواها وتحويل الأحزاب إلى أدوات شخصية، مما يترك إسرائيل في حالة من التخبط بعد رحيله المتوقع.
استراتيجية التوسع والهيمنة الإقليمية
في قراءة استراتيجية عميقة، يطرح الباحث فرضية أن ‘حبل نجاة’ إسرائيل يكمن في سعيها لتكون ‘أكبر من الشرق الأوسط’. هذا لا يعني مجرد التوسع الجغرافي، بل يمتد ليشمل تفكيك دول الجوار وإضعافها لتصبح مناطق عازلة تضمن أمن إسرائيل المطلق. إن فكرة ‘إسرائيل الكبرى’ متجذرة في العقلية والتربية الإسرائيلية، حيث يتم تغذية الأجيال الناشئة بأفكار التمدد وضرورة الهيمنة، مدعومة بسرديات دينية متطرفة تستحضر معارك العهد القديم، وهو ما يتبناه اليوم تيار اليمين بقيادة بن غفير وسموتريتش لتهيئة الظروف لما يعتبرونه ‘مجيء المسيح’.
مستقبل المنطقة والتحديات الوجودية
يرى الباحث أن المنطقة مقبلة على عقد من الصراع المفتوح. فغزة، من وجهة نظر الشارع الإسرائيلي، باتت هدفاً للإزالة، بينما الضفة الغربية تتجه نحو انفجار شعبي غير مسبوق، أشبه بحرب أهلية صفرية بين الفلسطينيين والمستوطنين. هذا بالإضافة إلى ملفات سوريا ولبنان وإيران، التي تسعى إسرائيل من خلالها لضمان تفوقها الأمني، مستغلة ما تراه تراجعاً للوجود الأمريكي في الخليج. إن إسرائيل تعتقد أنها أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خرائط المنطقة، وهي لا تبالي بالتكلفة الإنسانية أو السياسية لهذا التوجه.
سيناريوهات الانتخابات ومصير الدولة
يختتم الحوار بتحليل سيناريوهات الانتخابات، حيث يُعتبر نتنياهو المستفيد الأكبر من حالة الفوضى والتعادل. فإذا فاز نتنياهو، سيستمر في نهجه الحالي، وإذا حدث تعادل، سيضمن لنفسه فترة إضافية في حكومة تصريف أعمال تمنحه وقتاً لخلط الأوراق. أما في حال فوز المعارضة، فإن السياسات الإسرائيلية لن تتغير بشكل جذري نظراً لافتقار المعارضة لبرنامج حقيقي، وخشيتها من تهمة ‘الخيانة العظمى’ التي سيوجهها لها نتنياهو من مقاعد المعارضة. إجمالاً، تواجه إسرائيل لحظة تاريخية فارقة، حيث تتآكل أسسها الداخلية وتتغير علاقاتها الدولية، مما يجعل المستقبل محفوفاً بالمخاطر التي لا يمكن لأي حكومة احتواؤها بالكامل، مؤكداً أن هناك موجة كبيرة قادمة لا عاصم لإسرائيل منها.
——-
المحاور: أسامة أبو ضهير
الضيف: عزام أبو العدس (باحث في الشأن الإسرائيلي)


