بعد أكثر من 23 عاماً على اعتقاله في باكستان، لا تزال قضية خالد شيخ محمد، المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، عالقة في دهاليز القضاء العسكري الأميركي. وبينما حُدد الخامس من يونيو/حزيران 2028 موعداً لبدء محاكمته في قاعدة غوانتانامو، تبدو القضية أقرب إلى اختبار طويل ومعقد للنظام القضائي الأميركي في مرحلة ما بعد هجمات سبتمبر.
قرار تحديد الموعد جاء من قاضي المحاكم العسكرية في سلاح الجو الأميركي، المقدم مايكل شراما، الذي رفض اقتراح الادعاء بدء المحاكمة في يناير/كانون الثاني 2027، وحدد موعداً يفصل عنه نحو 18 شهراً. وهكذا تستمر واحدة من أطول القضايا القضائية المرتبطة بالحرب الأميركية على الإرهاب.
من باكستان إلى الولايات المتحدة
ولد خالد شيخ محمد في 14 أبريل/نيسان 1965، وتشير روايات إلى أن مكان ولادته كان بلوشستان الباكستانية، بينما تذكر مصادر أخرى أنه ولد في الكويت. نشأ في أسرة محافظة، وكان والده يعمل إماماً، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى الولايات المتحدة لاستكمال تعليمه.
درس الهندسة الميكانيكية في ولاية كارولاينا الشمالية، وحصل عام 1986 على شهادته الجامعية. وبعد سنوات، واصل اهتمامه بالدراسات الإسلامية والتاريخ، وحصل على درجة ماجستير من جامعة البنجاب في باكستان عام 1992.
لكن مساره المهني والأكاديمي لم يكن منفصلاً عن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة آنذاك. فقد انتقل بين دول عدة، ووصل إلى أفغانستان في فترة الحرب ضد الاحتلال السوفياتي، وهناك ارتبط بشخصيات جهادية بارزة.
وبحسب لجنة التحقيق الأميركية في هجمات سبتمبر، التقى محمد أسامة بن لادن عام 1996، وبدأت علاقته بتنظيم القاعدة تتخذ منحى أكثر أهمية.
الرجل الذي اتهمته واشنطن بالتخطيط لهجمات سبتمبر
بعد هجمات 11 سبتمبر، وضعت السلطات الأميركية خالد شيخ محمد في قلب التحقيقات المتعلقة بالهجمات التي غيرت شكل السياسة الدولية والأمن العالمي.
وتقول الرواية الأميركية إنه لعب دوراً محورياً في التخطيط لمؤامرة اختطاف الطائرات وتحويلها إلى أسلحة لضرب أهداف داخل الولايات المتحدة.
وأسفرت الهجمات عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، بعدما اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وضربت طائرة ثالثة مبنى البنتاغون، فيما تحطمت طائرة رابعة في بنسلفانيا.
لكن الاتهامات الموجهة إليه لم تتوقف عند أحداث سبتمبر. فقد اتهمته الولايات المتحدة أيضاً بالتورط في تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، الذي أدى إلى مقتل ستة أشخاص، إضافة إلى اتهامات أخرى بينها قتل الصحفي الأميركي دانيال بيرل.
اعتقاله وبداية سنوات الاحتجاز السري
في مارس/آذار 2003، ألقت السلطات الأميركية والباكستانية القبض على خالد شيخ محمد في باكستان. ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة مختلفة تماماً في حياته، إذ لم ينتقل مباشرة إلى غوانتانامو، بل احتُجز لسنوات داخل شبكة من المنشآت السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
ظل مكان احتجازه سرياً لثلاث سنوات تقريباً، قبل أن تعلن واشنطن في سبتمبر/أيلول 2006 نقله إلى معتقل غوانتانامو.
وكانت سنوات الاحتجاز الأولى محوراً أساسياً في الجدل القانوني الذي أحاط بالقضية لاحقاً، خصوصاً بسبب أساليب الاستجواب التي تعرض لها.
وكشف تقرير لمجلس الشيوخ الأميركي صدر عام 2014 أن وكالة الاستخبارات المركزية استخدمت ما وصفته بـ”أساليب الاستجواب المعززة” مع عدد من المعتقلين، وكان خالد شيخ محمد أبرزهم. وأشار التقرير إلى تعرضه للإيهام بالغرق 183 مرة، ضمن سلسلة من الممارسات التي أثارت انتقادات حادة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وهنا أصبحت القضية أكبر من مجرد محاكمة متهم بهجمات إرهابية؛ إذ باتت مرتبطة أيضاً بحدود صلاحيات الدولة، ومشروعية التعذيب، وقواعد المحاكمات العسكرية، ومدى إمكانية استخدام المعلومات التي انتُزعت خلال فترات الاحتجاز والاستجواب القسري.
اعترافات تحت الاختبار
في عام 2007، أعلنت وزارة الحرب الأميركية أن خالد شيخ محمد اعترف خلال جلسة مغلقة بدوره في التخطيط لهجمات سبتمبر، إضافة إلى التخطيط لعمليات أخرى.
وذكرت السلطات آنذاك أنه تحدث عن مخططات لاستهداف مواقع في بريطانيا، بينها ساعة بيغ بن ومطار هيثرو.
غير أن الاعترافات لم تنه القضية، بل أصبحت جزءاً من معركة قانونية طويلة حول الظروف التي جرت فيها التحقيقات وانتزاع الإفادات. فالدفاع سعى مراراً إلى الطعن في إمكانية الاعتماد على أقوال أدلى بها المتهم بعد سنوات من الاحتجاز السري وأساليب الاستجواب القاسية.
وهذا الجانب تحديداً ساهم في إبطاء الإجراءات، وجعل الوصول إلى محاكمة نهائية أكثر تعقيداً مما توقعته السلطات الأميركية في السنوات الأولى بعد اعتقاله.
غوانتانامو.. السجن الذي لم تنتهِ قصته
يمثل معتقل غوانتانامو أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ السياسة الأميركية الحديثة. فقد أنشأته الولايات المتحدة لاحتجاز أشخاص اعتُقلوا خلال الحرب على الإرهاب، في موقع تابع لقاعدة بحرية أميركية في كوبا.
ومنذ افتتاحه، واجه المعتقل انتقادات حقوقية وقانونية بسبب ظروف الاحتجاز، وطبيعة المحاكم العسكرية التي أُنشئت لمحاكمة بعض المحتجزين.
وفي حالة خالد شيخ محمد، تحولت قاعة المحكمة إلى مساحة أخرى للصراع بين الادعاء والدفاع، وبين الاعتبارات الأمنية والحقوق القانونية.
بدأت الإجراءات العسكرية بحقه عام 2008، إلا أن القضية لم تتقدم بالسرعة التي كانت تتوقعها السلطات الأميركية. وتكررت جلسات الاستماع والتأجيلات، فيما اصطدمت المحاكمة بمسائل تتعلق بالأدلة، والاستجوابات السابقة، والإجراءات القانونية واللوجستية.
أكثر من عقدين قبل المحاكمة
اللافت في هذه القضية أن مرور السنوات لم يقرّبها بالضرورة من نهايتها. فقد أصبح الزمن نفسه جزءاً من المشكلة.
فتنظيم جلسات المحاكمة في غوانتانامو يتطلب ترتيبات معقدة لنقل القاضي والمحامين والعاملين في القضاء، كما أن الدفاع قدم سلسلة طويلة من الطلبات والطعون المرتبطة بظروف احتجاز المتهمين وما تعرضوا له خلال السنوات السابقة.
وفي إحدى الجلسات، ركز خالد شيخ محمد والمتهمون الآخرون على مسألة مرافقة المجندات لهم إلى قاعة المحكمة، قائلاً إن وجودهن يذكره بما قال إنه تعرض له من تعذيب وإهانات خلال احتجازه لدى وكالة الاستخبارات المركزية.
كما دخل في مواجهات كلامية مع القاضي، مؤكداً أن المتهمين يرون أنفسهم في مواجهة المؤسسة العسكرية الأميركية التي تحاكمهم.
أربعة متهمين في قضية واحدة
من المقرر أن يمثل خالد شيخ محمد أمام المحكمة إلى جانب ثلاثة متهمين آخرين هم وليد بن عطاش، وعلي عبد العزيز علي، ومصطفى أحمد الهوساوي.
وتعود أهمية هذه المحاكمة إلى أنها لا تتعلق فقط بمصير أربعة متهمين، بل بملف تاريخي ارتبط بأكبر هجوم شهدته الأراضي الأميركية في العصر الحديث، وبالحرب التي أعقبته وأعادت تشكيل السياسات الأمنية والعسكرية لواشنطن.
وكانت محكمة استئناف اتحادية قد رفضت، في العام الماضي، اتفاقاً كان يمكن أن يسمح لخالد شيخ محمد بالإقرار بالذنب مقابل تجنيبه عقوبة الإعدام. ومن ثم عاد المسار القضائي إلى نقطة أكثر تعقيداً، مع الإصرار على المضي نحو المحاكمة.
لماذا تأخرت المحاكمة كل هذه السنوات؟
تكمن الإجابة في تداخل عدة ملفات: الاعتقال السري، وأساليب الاستجواب، ومشروعية الأدلة، وطبيعة المحاكم العسكرية، والطعون المتكررة، إضافة إلى التعقيدات اللوجستية المرتبطة بغوانتانامو.
وبالتالي، فإن موعد يونيو 2028 لا يعني بالضرورة أن القضية ستصل إلى خاتمتها النهائية في ذلك التاريخ. فقد تسبق المحاكمة أو ترافقها جولات جديدة من الطعون والمرافعات.
بعد أكثر من عقدين من الاعتقال، أصبح خالد شيخ محمد رمزاً لمرحلة كاملة من السياسة الأميركية بعد 11 سبتمبر. فالقضية التي بدأت باعتقال رجل تتهمه واشنطن بالتخطيط للهجمات تحولت إلى اختبار مستمر لمدى قدرة النظام القضائي الأميركي على التعامل مع إرث الحرب على الإرهاب، خصوصاً عندما تكون الأدلة نفسها مرتبطة بسنوات من الاحتجاز السري والاستجواب القسري.
ضومع تحديد موعد جديد للمحاكمة، تعود القضية إلى الواجهة، لكن السؤال الأكبر يبقى: هل يكون يونيو 2028 بداية النهاية لقضية استمرت أكثر من عقدين، أم محطة جديدة في مسار قضائي لم يصل بعد إلى خاتمته؟


