ثامناً: خصائص الأسلوب القرآني ووجوه الإفادة منه:
مما اهتم به الشيخ محمد الغزالي أيضا في تفسيره، العناية بإبراز خصائص الأسلوب القرآني وسبل الإفادة منه في التربية والتوجيه والإعداد.
فيقرر أن الأسلوب القرآني يقلب بين الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء حتى لا نطيش أو نطغي.
ويؤكد أن القرآن الكريم يتضمن خلاصات روحية من شأنها تربية النفس الإنسانية وتوجيهها إلى الخير في الدنيا والآخرة، وأن أسلوب القرآن في إثبات هذه الخلاصات وإدخالها إلى شغاف النفوس أسلوب لا يضاهيه أسلوب آخر مطلقا.
ففي القرآن الكريم خلاصات روحية فعالة تثير الحياة في الضمائر، وتقيم حواجز معينة حول السلوك الإنساني كي لا يشرد أو يزيغ.
وقوام هذه الخلاصات دعم قوى الخير وكبح وساوس الشر بوسائل الترغيب والترهيب والتربية والتوجيه.
والقرآن في هذه الخلاصات يستهدف إيقاظ النفس وبعث ملكتها العليا، ولا يعتمد على الإكثار من الحوادث العارضة ثم البت فيها بحكم الله.
بل إن هذه الأحكام المحدودة توجد في القرآن الكريم كما توجد الجزر المتناثرة في بحر محيط، ذلك أن القرآن الكريم يركز اهتمامه في ربط المرء بالله على أساس بارز من توحيده وتقواه والاستعداد للقائه.
وهذه المعاني هي ضمانات الكمال على اختلاف العصور والأجيال.
ويلاحظ أن أسلوب القرآن في هذا المجال يشفي العامة ويشفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير الساذجة، وباطنه العميق يستقي منه الفلاسفة والحكماء والعلماء المزيد من الحكمة والفكر.
ثم إن مرونته اللفظية تجعله واسع الدلالة، أعني سعة الورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريانة راضية، وليست السعة التي تتحمل النقائض او تخلق الريب.
وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرنا عراها كثير من التغيير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإنه بقي ممتازا بخصائصه وخلاصاته الآنفة، يبلى الأسلوب في عصر ما وكان مزدهرا في عصر سبق، أما القرآن فإن أسلوبه ظل جديدا رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام “
ويؤكد الغزالي أن التأثير العميق والدوي الهائل الذي أحدثه نزول القرآن في البيئة العربية، كان نتيجة منطقية لهذه الخصائص التي تجمَل بها فيقول: ” نجاح الدعاية النفسية والفكرية التي أحدثها القرآن هو الذي قذف بالوهن في قلوب خصومه، فحاربوه وفي نفوسهم ريبة من موقفهم، وشك في قضاياهم، بل إن الألوف خاصموا الإسلام، وهم يخفون في طواياهم احترام حقيقته، وتصديق رسالته.
ذلك أن الأدلة التي بسطها القرآن الكريم والأساليب التي ساقها، حسمت جميع الشبه التي يمكن أن تهجس في النفس، وجعلت دعوته عالية لا تنال.
وليس أنجح لدعاية من أن خصمها يحسَ في أعماق ضميره أنه مبطل في جفائها، وليس أنجح لدعاية من أنها تبلغ في التأثير على عدوها درجة تفرق بين المرء ونفسه.
ويصف الغزالي أسلوب القرآن النازل في مكة فيقول: ” وعندي أن الأسلوب المكي الذي اتجه أول ما اتجه إلى الوثنيين قدير على تحريك العقل، وإشعال الفكر الخامد، ودفع الناس بقوة إلى ربهم، والاعتماد عليه يصلح عند مخاطبة العلمانيين والماديين وأحزاب الملاحدة الأخرى “.
ويتحدث الغزالي عن منهج القرآن في بناء النفس الإنسانية وقيادتها إلى الله فيقول: ” إذا كانت المعجزة تورث أصحابها – الذين رأوها – يقينا فإذا هذا القرآن لا يزال يصنع اليقين، ويؤكد أن الإسلام هو الحق الفذ إلى يوم الدين.
ووسيلة القرآن في هذا أنه يقول للإنسان: لست إنسانا إلا بعقلك، ولست إنسانا إلا بخلقك، ومهمة هذا القرآن أن يفتح عقلك فلا يظلم وأن يفتح قلبك فلا يسف ويهبط.
كتابنا جاء ليفجر الطاقة الإنسانية في الناس، وليصحح نظرتهم إلى الأمور، وليجعل لهم منطقا سديدا يعرفون به الحق، ويبتعدون به عن الظنون والأوهام ثمَ هو دين يقوم على تصحيح القلب الإنساني، وإبعاد الشهوات عنه وما يتم ذلك إلا بأنواع من الرغبة والرهبة والخوف والرجاء والوعد والوعيد.
والواجب على المسلمين وأهل الذكر منهم خاصة أن يتدبروا هذا القرآن، ويفتشوا فيه عن السبل التي يعيدون بها بناء حياتهم وتغييرها بأنفسهم، حتى يستفيدوا من هذا القرآن ويتحققوا بما ينطوي عليه من تعاليم وأحكام: “لابد من قراءة القرآن الكريم قراءة متدبرة واعية تفهم الجملة فهما دقيقا، ويبذل كل امرئ ما يستطيع لوعي معناها وإدراك مقاصدها، فإنَ عزَ عليه سأل أهل الذكر… والمدارسة للقرآن مطلوبة باستمرار.
ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنة الله في الأنفس والآفاق ومقومات الشهود الحضاري ومعرفة الوصايا والأحكام وأنواع الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه لاستئناف دورهم المفقود.


