الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فإن كتاب «الصبر في القرآن» للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي قد حظي بانتشار واسع وقبول حسن في أوساط القراء والمثقفين وطلاب العلم، وذلك لما امتاز به مؤلفه من حسن العرض، ورشاقة الأسلوب، وجودة الترتيب، وحسن الاستنباط، والقدرة على جمع أطراف الموضوع، وربط الآيات بعضها ببعض، واستخراج هدايات القرآن ومعانيه في صورة تجمع بين العمق والوضوح.
وقد قرأت هذا الكتاب، فأعجبت به إعجابًا كبيرًا، واستوقفتني فكرته ومنهجه، وبقي أثره في نفسي زمنًا غير قصير، حتى أخذت تراودني بين الحين والآخر فكرةُ السير على هذا النهج في بعض الموضوعات القرآنية التي تستحق أن تُفرد بالبحث والدراسة.
وكلما عادت بي الخواطر إلى هذا المعنى، برز أمامي موضوع الشكر؛ ذلك أني وجدت القرآن الكريم قد أولاه عناية ظاهرة، واهتمامًا كبيرًا، فأكثر من ذكره، ونوَّه بشأنه، ومدح أهله، وأثنى عليهم، وجعلهم من خاصة عباده.
فقد وصف نوحًا عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، ووصف إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾، وأمر آل داود بقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، وأخبر أن الشاكرين هم القلة المتميزة بين الناس فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وربط بين الشكر وزيادة النعم فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
بل إن المتأمل في كتاب الله يجد أن الشكر ليس خُلُقًا جزئيًا أو مسألة فرعية، وإنما هو مقام عظيم من مقامات الإيمان، تدور عليه حياة المؤمن كلها، فهو بين نعمة يشكرها وبلية يصبر عليها، ولذلك قرن الله بين الصبر والشكر في غير موضع من كتابه الكريم.
ومن هنا نشأت لدي فكرة إعداد دراسة بعنوان:
«الشكر في القرآن الكريم»
أحاول فيها جمع الآيات المتعلقة بهذا الموضوع، والنظر في دلالاتها، والكشف عن منزلة الشكر في القرآن، وبيان مقام الشاكرين، وخصائصهم، وثمرات الشكر وآثاره، وما أعده الله لأهله من الفضل والخير.
وأعلن هذه النية وهذا المشروع؛ رجاء أن يكون ذلك أدعى إلى الوفاء به، وأحفز على إتمامه، وأسأل الله سبحانه أن يرزقني الإخلاص والسداد، وأن يجعلني وإياكم من عباده الشاكرين.
والله ولي التوفيق.
أخوكم في الله
عبد الرشيد الندوي
مدرس بجامعة ندوة العلماء
5 من ذي الحجة 1447






