1- للإيمان حلاوة، وحلاوة هذا الإيمان غالباً ما تكون معنويّة، ولكن بعض المؤمنين يفتح الله عليهم بحلاوة حسّية يستقبلون بها ألوان الضغط ونيران العذاب، وذلك من آثار خصوص لُطفه وبركته بأشخاص أو أقوام.
2- وعندما تقرأ من صفحات الثبات في أهل الثغر، وكلمات الرضا منهم، وكمال تفويضهم، وجمال احتسابهم، تعلمُ أنّ الله بارك الله لأهل الثغر في ذلك الباب المخصوص.
3- وفي ذلك شاهدٌ قديمٌ يفوتُ الناسَ اعتبارُه، وهو سيدنا بلال بن رباح “أبو عبد الكريم”، حيث كانوا يعذبونه برمضاء مكّة التي تُحرِق أخفاف الإبل، وتجعل الجنادب تتناقز من أشواك حرّها، وكانوا يُضْجعونه على بطنه ليزيد إحساسُه بالعذاب، وكانوا يلصقونه برمال البطحاء وحجارتها، ويمدّونه شَبْحاً تحت شمسها اللاهبة، فيتسلّخ جلده من وهج الحرارة، ثم يضعون الصخرة الثقيلة العظيمة على صدره ليضيق نفَسُه، ويشتدّ وجعُه، ثم يجعلون الحبل في عنقه فيجرّونه على الحصى المدبّبة الكاوية، ويُوالون عليه العذابَ، وألبسوه تارةً أدراع الحديد، وصهروه في الشمس، وأعطوه لسفلة الولدان، الذين أخذوا يطوفون به شِعاب مكة، إلا أنّه ما كان يقول إلا: أَحَدٌ أحدٌ، وإذا اشتدّوا عليه أكثر، وتقاربوا عليه، قال: اللهُ اللهُ.
4- كان بلالٌ شحيحاً في دينه الذي يُعذَّب عليه، وقضيّتِه التي يؤمن بها، فهانت عليه نفسُه، وحقُرَتْ في ذات الله، فلم يكن يرى حوله إلا لُطفَ الله وحنانه، ويستلذّ بحلاوة الصبر على هول المصيبة.
5- كان بلالٌ «أبو عبد الكريم» مدرسةً في الثبات، وكان ملهماً للأحرار والعبيد، فإذا كان هذا العبد الضعيفُ قد ثبت هذا الثباتَ كلّه وهو ميّت لا محالة، فإنّ ما يؤمن به أكبر بكثير مما يراه الناس.
6- وهنا جعل الله له فرجاً قريباً ومنحه الحريّة فوق الخلاص، فسخّر له أخاً سيكون الخليفة لأول ليكون سبباً في نجاته، فاشتراه، ثم أعتقه.
7- أحدٌ أحدٌ خلاصة التوحيد وجوهره، وقد أكرم الله بلالاً بأنْ جعله مؤذّناً بين يدي رسول الله وأصحابه يصدح بكلمة التوحيد التي عُذّب عليها كلَّ يوم مرّات.
8- بلالٌ هذا ظل مع رسول الله ومع خليفته أبي بكر، ثم لمّا رأى سيوف الحق تنتشر في الأرض ارتحل إلى الشام قابضاً على سيفه طلب من أبي بكر أن يأذن له أن يكون مع الجند الفاتحين، فأبَى عليه أبو بكر، ورجاه أن يكون معه، فقال له بلال: إن كنت أعتقتَني لنفسك، فاحبِسني، وإن كنت أعتقتني لله، فذرني أذهب إليه، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام.
9- في بداية أمره مَزج بلال مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وفي رحيله عن الدنيا مزج مرارة الفراق بحلاوة الإيمان الذي امتلأ به فكان يقول عند وفاته: وافرَحاه عندما يسمع امرأته الخولانيّة تتفجّع عليه وهو يجود بنفسه فتقول: واويْلاه!، وينشد:
غداً نلقَى الأحبّةْ *** محمّداً وحِزبَه
10- لم يكن لبلال عقبٌ، وليس له ذرّيّة، إلا مَن كان على مثاله في الصبر والثبات والاحتساب والحلاوة، فهنيئاً لمن تابع هذا النجمَ، وكان على طريقته!


