نقصد باحتكار السلطة احتكار مراكز صنع القرار والتوجيه والقيادة، بحيث يحلُّ الاستبداد بالحكم محلَّ الشورى التي قال القرآن الكريم عنها: ((وأَمرُهُم شُورَى بَينَهم)) ، فردَّ جميع أمرهم للشورى. وغالبًا ما تفرز المجتمعات بشكل طبيعي قادة ورؤساء تخضع لرأيهم وقرارهم إيمانًا بحكمتهم وثقة في نصحهم، وهم المعنيون في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَٰلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلًا)) . ذلك، أنَّ معظم الناس تلتفت لتدبير شئون حياتها الخاصَّة، وتدبير احتياجات معيشتها اليومية، وتضع الثقة في ذوي الكفاءة والخبرة والقدرة، ثمَّ تصدر في الملمَّات والأزمات والقضايا العامَّة عن رأيهم وقرارهم. لهذا أقرَّ الإسلام هذا المسلك الفطري الطبيعي، ولم ينزع عن سادة القبائل ووجهاء المجتمع هذا الدور، إلَّا أن يكون هناك معارض لذلك. بل حتَّى في احتضان الإسلام للأقليَّات الدينية الأخرى، بمختلف أعراقها وتقاليدها، لا ينزع مرجعيَّاتها السلطوية الخاصَّة، ويقرُّها على ما هي عليه، في تأكيد على خصوصية تلك الأقليَّات في فرز مراجعها ورؤوسها.
وقد عمل الإسلام على ترسيخ كلِّ ما مِن شأنه منع الاحتكار السياسي، ففرض الشورى، وجعل الأمَّة صاحبة القرار والاختيار في انتخاب حكَّامها، وتوليتهم ورقابتهم ومحاسبتهم، ونهى عن الاستبداد وألزم بالشورى: ((وشَاوِرهُم في الأَمرِ)) ، وحذَّر مِن صور الاحتكار السلطوي التي أنتجت الشخصيَّات الفرعونية والنمرودية. ولم يعط الإسلام امتيازات السلطة وأحقِّيَّة الحكم لفرد أو سلالة تحتكرها مِن دون الناس، ولم يجعل الحكم ملكيًّا وراثيًّا، لا في قرابة النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا في غيرهم؛ إذ مات رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وترك الأمر شورى بين المسلمين. وقد كان أوَّل ما ابتدأ دعوى الاستحقاق معاوية -رضي الله عنه، فقد جاء في الأثر أنَّه خطب الناس فقال: “مَن كانَ يُرِيدُ أن يَتَكَلَّمَ في هذا الأمرِ، فَليُطلِع لَنَا قَرنَهُ، فَلَنَحنُ أحَقُّ به مِنه ومِن أبِيهِ” ، ثمَّ راجت في العلويين والعبَّاسيين فيما بعد على أساس مِن القرابة للنبي. وبهذا كان احتكار الحكم أوَّل أمر واجه سنَّة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم، وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين مِن بعده -رضي الله عنهم، وأوَّل عرى الإسلام نقضًا، ففي الحديث: (لتُنقضَنَّ عرى الإسلامِ عُروة عُروة، فكلَّما انتقَضَت عُروة تشبَّثَ النَّاس بالَّتي تَلِيها، وأوَّلُهنَّ نقضًا الحُكمُ، وآخرُهنَّ الصَّلاة) .
وقد تعارفت اليوم شعوب العالم بعد تجارب مريرة وخبرات إنسانية متراكمة إلى أنظمة تستند إلى مبدأ الفصل بين السلطات، وسيادة الشعوب، وامتلاكها للسلطات، تنتخب لها مَن تختار، وتنشئ مِن وسائل الرقابة والمحاسبة ما يكسر احتكار السلطة المطلق، ذلك أنَّ السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
يتبع


