سنن الاجتماع قضت بأن حركة الفرد أخف وأسرع وأسهل من حركة المجموع، وإذا ما كان الفرد صاحب جموح ووثبة وبدار ضاق به المجموع أيما ضيق، وشق عليهم أن يلحقوه فضلا عن أن يواكبوه في سيره، ويرى على أنه فرد عصي على المطاوعة خارج عن المألوف، فإما أن يلتزم وإما أن ينفصم.
وغالبا ما يفضل غير العصاميين العيش في الإطار الجمعي، لأن أمورهم وشئونهم لا تقوم إلا بذاك، وأما العصاميون فيرون أنفسهم في غنية عن الآخرين ما يجعلهم يكثرون التمرد ويفضلون الحراك المنفرد.
وبين سنن الاجتماع ومشاعر المجموع وجموح العصاميين يتشكل القدر، إذ هو نتاج تدافع الإرادات ومغالبة السنن. وفي حين ينطفئ أثر الفرد العصامي سريعا رغم ضخامة إنتاجه، يبقى أثر المجموع دائما رغم ضآلة ورتابة إنتاجه. لهذا يبقى أثر الخوارج والمعتزلة ضئيلا بأثر غيرهم، لأن النزعة الفردية فيهم أطغى، وإن كان أثرهم في العاجل أوقع. وهكذا بقية الجماعات والحركات.
وبين الفرد والمجموع معادلة لا يحسنها إلا القادة.


