تمر على المجتمعات لحظات فارقة لا تملك معها العقول إلا أن تقف مذهولة أمام هول ما ترى وتسمع، إن الجريمة في أصلها سلوك منحرف يمثل خروجا على الشرع والقانون والأخلاق، لكن الجريمة حين تتجاوز حدود القتل المجرد لتتجسد في صورة إجرامية بشعة تمس أقدس الروابط البشرية وأشدها حرمة، وهو حق الأمومة والبر تتحول حينئذ من مجرد حدث جنائي إلى ظاهرة معنوية صارخة تستدعي التأمل والتحليل
إن أشد ما يصدم الفطرة السوية ليس فقط وقوع الجرم في ذاته على بشاعته ونكارته، بل تلك المفارقة الصارخة التي تتجلى حين يكون مرتكب هذه الجريمة النكراء، هو عين من كان يملأ الآفاق ضجيجا بالدفاع عن الحقوق، ويرفع عقيرته بالدفاع عن المرأة، ومناهضة العنف، ويظهر عبر الفضائيات والشاشات ليزعم الوصاية الأخلاقية على المجتمع، هنا ينكشف الزيف وتتهاوى الدعاوى الكاذبة، ويقف المرء أمام انفصام نفسي وفكري خطير يربط بين شذوذ الفكر، والتمرد على شريعة الله من جهة، وبين تبلد المشاعر وسقوط الإنسانية في أبشع صور الإجرام من جهة أخرى
من مناهضة العنف ضد المرأة إلى قتل أمها وتقطيع أوصالها:
لقد اعتاد العالم الحديث على ظاهرة الاستعراض الأخلاقي، حيث يتصدر بعض الأفراد المشهد العام ليقدموا أنفسهم كحماة للفضيلة، ومدافعين عن قضايا المظلومين، ومناهضين لأشكال العنف كافة، غير أن المحك الحقيقي لأي فكر، أو خطاب، ليس في بلاغة المفاهيم، ولا في رباطة الجأش أمام كاميرات التلفاز، وإنما في السلوك العملي الواقعي حين تتغلب الشهوات، وتشتعل الخلافات.
حين تعتاد إحدى المنظرات الظهور لتهاجم البناء الأسري، وتشكك في القيم الشرعية، وتدعي حماية المرأة من العنف الأسري، ثم تكون هي أولى من يمارس أبشع أنواع العنف، وأشده قسوة، فتستدرج أمها العجوز التي بلغت من الكبر عتيا، وتحتاج لمن يرعاها، وتقوم بإزهاق روحها، وقتلها بلا رحمة ولا شفقة، ثم تتمادى في الإجرام والتوحش، فيسوقها غل قلبها وتجردها من أدنى معاني الإنسانية، إلى تقطيع جسد أمها التي حملتها وحضنتها قطعا قطعا، وفصل أوصالها إربا إربا، ببرود شديد وتلذذ بالإيذاء، فإننا لا نكون أمام مجرد تناقض عادي، بل أمام انفصام سلوكي وفكري تام
هذا الانفصام يوضح كيف يمكن للشعارات الإنسانية البراقة أن تتخذ كستار شفاف يغطي قسوة دفينة، وجلافة نفسية، وخلو تام من أدنى معاني الرحمة، إنه دليل ساطع على أن الخطاب الفكري المفصول عن الهداية الإلهية، والخشية الإيمانية، يبقى مجرد زخرف من القول يسقطه أدنى اختبار خلقي أو نفسي
التجاوز ضد شريعة الخالق تجاوز ضد المخلوق:
تتجلى في هذه النازلة الشنيعة صورة الجرم المركب، الذي لا ينفصل فيه المسار الفكري، عن المسار السلوكي، إن الجانية في هذه الحادثة لم ترتكب جريمة واحدة، بل جمعت بين جرمين كلاهما عظيم وخطير في ميزان الدين، والعقل والفطرة.
الأول: جرم الفكر والرفض لشرع الله: ويتجلى هذا الجرم في التجرؤ المباشر على النصوص القرآنية، والتطاول الصريح على التشريع الإلهي الحكيم، فقد اعتادت الجانية الظهور علنا لتستنكر وترفض قول الحق تبارك وتعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} (النساء:34) واصفة هذا الحكم الإلهي بالعنصرية والعنف ضد المرأة، وهذا الاعتراض الفكري يعبر عن جهل عميق بمقاصد الشريعة وفقه الأحكام، فالآية الكريمة وردت في سياق المعالجة التدريجية للحفاظ على البناء الأسري، ومنع انهياره، ووضع الفقهاء والعلماء لمفهوم الضرب هنا ضوابط حازمة: تجعله ضربا رمزيا غير مبرح ولا مؤذ، كالسواك ونحوه يستهدف الإصلاح النفسي، والتنبيه الأخلاقي، لا الإيذاء الجسدي، غير أن العقل المفتون بالشعارات الوافدة يرفض منظومة الوحي كلها، ويستكبر عن الانقياد لحكمة الخالق الذي خلق الرجل والمرأة، وهو أعلم بما يصلح نفوسهما ويحمي جمعهما
والثاني: جرم الفعل والانتهاك لحرمة الدم والأمومة: ولما كانت المقدمات الفكرية المنحرفة، تثمر نتائج سلوكية منحرفة، فإن التجرؤ على الشريعة أدى بالضرورة إلى التجرؤ على أقدس الحرمات الواقعية، فامتدت اليد التي كانت تدعي نبذ العنف، لتمارس أبشع صور العنف المادي الباطش، حيث أقدمت هذه المحامية بدم بارد، وغياب تام عن الضمير على قتل أمها العجوز الضعيفة، التي لا تملك حيلة ولا قوة، ثم لم يشف غليل قسوتها مجرد سلب الروح، بل أتبعت ذلك بجريمة تمثيل بشعة، حيث أعملت آلاتها في جسد الأم الرؤوم، فأنزلت بها ألوان التقطيع، والفرك والتجزئة، حتى حولت الجسد الذي كان يضمها إلى أجزاء وأوصال متناثرة بلا ترقب لعهد أو ذمة أو حرمة لرحم!!!!!
إن هذا التلازم بين التمرد على الحكم الشرعي وبين السقوط الأخلاقي المروع يؤكد قانونا إيمانيا ونفسيا ثابتا أن من جرؤ على الخالق لا يمكن أن يثبت على رعاية حقوق الخلق
القلوب التي ترفض شرع الله أشد قسوة من الحجارة:
إن الرفض المستمر لشرع الله، والاعتراض على أحكامه، ليس أمرا يقف عند حدود نقاش عقلي، أو مماحكة الفكرية، بل هو سلوك يؤثر تأثيرا مباشراً في نفسية المرء وقلبه فالإنسان حين يستكبر عن القبول بالتشريع الإلهي، ويرى نفسه أعلم من الخالق سبحانه يدخل في حالة من الشذوذ الفكري والتناقض النفسي
هذا الشذوذ الفكري يسلب الإنسان طمأنينته، وينزع من قلبه الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في صور ومشاهد كثيرة، فالعصيان والاستكبار ورد الحق بغير علم، تورث القلوب قسوة وتبلدا، حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، قال تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} (البقرة:74)
حين ينسلخ المرء من التكليف الشرعي، ويظن أنه مستغن عن هداية الوحي يبدأ في بناء منظومة أخلاقية هشّة قائمة على الأهواء والمصالح الذاتية، ومتى ما اصطدمت هذه المنظومة الهشة بالمواقف الحياتية الصعبة أو الخلافات اليومية، نزع الإنسان المنسلخ عن الدين إلى التصرف بغريزة عنيفة قاسية، لأنه يفتقد للرادع الإيماني، والرادع الأخلاقي الأصيل الذي يضبط نفسه عند الغضب أو الخلاف
هداية الشريعة أهدي سبيلا، وأقوم قيلا:
في مقابل هذا النموذج المنحرف الذي يرفض الشرع، ويرتكب الجريمة البشعة، نجد الشريعة الإسلامية العظيمة تقدم بناء أخلاقيا واجتماعيا متكاملا، لا تناقض فيه ولا انفصام
فالشرع الحكيم الذي رتب أحكام الأسرة، وجعل القوامة للرجل بما أنفق، وبما فضل الله، وهو نفسه التشريع الذي جعل العلاقة بين الزوجين قائمة على أعظم المبادئ الإنسانية، قال تعالي: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم:21) والشريعة التي سنت أحكام المواعظ والهجران، والمعالجات عند النشوز لحفظ نظام الأسرة من الانهيار، هي نفسها التي أعلت من شأن المرأة أما وزوجة وبنتا وأختا.
أما عن الأم خاصة فقد جعلت الشريعة الإسلامية برها ورعايتها، قرينا لتوحيد الله عز وجل، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما} (الإسراء:23)
فالشرع المنزل ينهى حتى عن كلمة أف، التي هي أدنى مراتب التأفف والضجر، ويأمر بالتواضع والرحمة للوالدين عند الكبر، فكيف بمن يتطاول على هذا الشرع الحكيم بدعوى الدفاع عن الحقوق، ثم لا يجد في قلبه ما يمنعه مما هو أعظم الجرائم، وأشد العقوق وهو إزهاق روح الأم، وتقطيع جسدها إربا إربا
إن هذا التباين العجيب يظهر الفرق الشاسع بين أخلاق الوحي التي تبني الفطرة، وترعى الحقوق بحق، وبين الأخلاق المدعاة التي تتخذ شعارا خارجيا، بينما ينطوي صاحبها على القسوة والبطش والشذوذ
وختاما:
إن وقوع مثل هذه المآسي في المجتمع يدعونا جميعا من مفكرين ومربين وعامة ناس إلى الوقوف مليا والاستفادة من المعاني والعبر التي تطرحها هذه الحادثة الفاجعة
أولا: الاعتبار بالحقائق لا بالشعارات يجب على المجتمع ألا يخدع بالطرائح البراقة، والظهور الإعلامي، وأن يميز بين من يحمل الفكر الأصيل القائم على قيم الوحي، والخلق الصالح، وبين من يتخذ الشعارات الإنسانية كوسيلة للتكبر على الشرع، وتمرير أهوائه، وتسويق أجنداته الفاجرة.
ثانيا: شؤم معصية الله، والتجرؤ على شرعه، إن الاستكبار عن أمر الله والتطاول على كتابه وسنة نبيه، خذلان كبير يؤدي بصاحبه إلى الهلاك في الدنيا والآخرة، حتى يرتكس في ظلمات لا يستطيع الخروج منها
ثالثا: أهمية الربط بين الفكر والأخلاق، فلا قيمة لأي نظرية فكرية، أو حركة اجتماعية لا تثمر زكاء في النفس، ورحمة في القلب، وبرا بالوالدين، ووفاء بالحقوق الأصيلة.
ستبقى شريعة الله تبارك وتعالى هي الملجأ الآمن، والمعيار الثابت للحق والعدل والرحمة، وتظل الفطرة الإنسانية السوية تأبى الإجرام، وتمقت الوحشية، أما الذين يظنون أنهم بإنكارهم لأحكام القرآن وتشكيكهم في العدالة الإلهية، يحققون الحرية والإنسانية فإن الواقع الملموس يكشف دوما أن الانفصال عن الله هو انفصال عن الإنسانية ذاتها.
إن الجريمة النكراء التي ارتكبتها هذه المرأة بحق أمها العجوز بعد سنوات من التطاول على آيات القرآن الكريم وقتلها وتقطيع أوصالها بدم بارد، لتقدم درسا بليغا في أن الجرأة على الخالق هي البوابة الكبرى للجرأة على الخلق، وأن من رفض هداية الوحي واستكبر عن الانقياد لحكمته يوشك أن يقع في ظلمات الشذوذ الفكري والسلوكي، حتى يعمى عن بصائر الحق، وتتلاشى من قلبه أدنى معاني الرحمة والإنسانية.


