ربما يبدو العنوان كأنه إعلان هام أو خبر عاجل أكثر منه عنواناً، وهو كذلك في الحقيقة!
وأزعم أن محاولة ترجمة التضحيات والدماء إلى تجربة سياسية تغطي حيزاً ديموغرافياً؛ بدأت بالفعل مع محاولة “مجلس شورى المجاهدين” في العراق؛ إعلان ما أسموه “دولة العراق الإسلامية”!
وقد بدت المحاولة ساذجة عند البعض ساعتها، بينما احتفى بها آخرون واعتبروها خطوة رائدة، وهي التجربة ذاتها التي ترجمت فيما بعد إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو ما اختصر في “داعش”.
ثم تطورت تفاعلات الحالة السياسية أو الفكر السياسي في العمل الجهادي المتصارع والمتضارب في “طاحونة” الثورة السورية، لتترجم في حكم هيئة تحرير الشام لمناطق واسعة من سوريا، فيما عرف “بالمُحرر” والتي انتهت بفرار مجرم الشام وسيطرة الثوار المجاهدين على مقاليد الحكم في البلاد حتى اليوم.
وما يحدث في مالي اليوم هو استمرار لنضوج وعي التجربة الجهادية لأهمية ترجمة التضحيات والدماء التي خاضتها عبر عقود طويلة من المواجهات ضد الأنظمة الإجرامية والهيمنة الصهيوصليبية؛ إلى كيان سياسي، كضرورة لجني وحصاد نتاج التجربة، وكحتمية يمليها الاجتماع السياسي لتحقيق أية فكرة وتوقيعها أو تمكينها في أرض الواقع، وإلا صارت التجربة كالقربة المثقوبة التي تثج الدماء دون توقف وبلا هدف!
لا شك أنني ضد التجربة أو الفكرة الأولى في كلتا نسختيها؛ العراقية والشامية، بدمويتها وإجرامها وطائفيتها وأحقادها التي طالت جماهير عريضة من الأمة ومن أعدائها للإنصاف.
كما لست معجباً ولا مؤيداً لأخطاء التجربة الثانية في سوريا بأمويتها وبراجماتيتها وأخطائها.
ومازلت أترقب نتائج الثالثة في ثوبها الأفريقي الراقص فوق القرابين على وقع الطبول وأهازيج الرماح.
لكنني وبكل تأكيد أتابع تطوراً سياسياً مهماً في الأمة الإسلامية عموماً، والحالة الجهادية خصوصاً، كتفاعل ضروري لعناصر ومكونات فعالة بطبيعتها، وإن تأخرت كثيراً وطالت مدة نضوجها، وربما حان أوان قطافها.


