رأيتُ مقطعًا لفتاة أمريكية، في عزِّ شبابها ووافرِ جمالها، تتمنى أن يكون والدُها مسلمًا مشرقيًا، غير متأثر بعوائد الغرب، ولا خاضعًا لقوانينه؛ حتى يقومَ على رعايتِها، ولا يُخرجها من بيتها، ويحملها مسؤوليةَ نفسها سكنًا وإعاشةً وتعليما ومأوى، بمجرد بلوغها الثامنةَ عشرةَ من عمرها.
فتخرج إلى الشارع وهي عمياء؛ لا بيت لها يؤويها، ولا مهنةَ تُتقنها وتعيشُ منها، وكلُّ من يراها لا يرى فيها غيرَ سلعةٍ في سوقِ الغواية وأرديةِ الهوى تُباع وتُشترى.
فحمدتُ اللهَ لكرامة فتاة أمتنا المسلمة على أسرتِها ومجتمعِها، وحجمِ الرعايةِ والاهتمامِ الموجَّهين لها من كلِّ من حولَها، ومن يعنيه أمرُها، وكيف أن العقلاءَ في مجتمعاتِنا المسلمة لا يرَون امرأةً مسكينةً إلا تلك المرأةَ التي لا معيلَ لها، ولا قائمَ بشؤونِها من زوجٍ أو والدٍ أو ولد، فيتواصَون لذلك برحمتِها، والوقوفِ معها، ويحضُّون على الإحسانِ إليها، وإكرامِها، وسدِّ احتياجِها. بل ويوجِبُ فقهُنا الإسلاميُّ على بيتِ المال أن يقومَ بحفظِ كرامتِها، وتوفيرِ حوائجِها.
ثم جال نظري في جهودِ التغريبِ القائمةِ على قدمٍ وساقٍ في مجتمعاتنا، ومشاريعِ هدمِ الأسرةِ، وتمريدِ المرأةِ، وترجيلِها، وإفقادِها لحيائِها وستْرِها، وتزهيدِها بالزواجِ والإنجاب، وتضخيمِ جني المال في عينيها، وزجِّها إلى سوقِ العمل، وفي وظائفَ عدةٍ لا تتلاءمُ وفطرتَها، ولا طبيعةَ تكوينِها النفسيِّ والجسديِّ، تحت أُرديةِ تحقيقِ ذاتِها، وإبرازِ شخصيتِها، وصناعةِ مجدِها، وامتلاكِ حريتِها، والظفرِ بكرامتِها واستقلالِها – زعموا – بينما هي في الحقيقةِ تُذَلُّ، وتُستغلُّ، وتُهان، وتتهاوى.
فَتُجَرُّ، وهي الغافلةُ المسكينةُ، إلى سوقٍ مرعبٍ تُهدَمُ فيه مبادئُها، وتُغيَّرُ قيمُها، وتخرجُ عن فطرتِها وإنسانيتِها، يُتلاعَب – باسمِ الوظيفةِ، وتمكينِها من جني الأموال – بزينتِها، وبحلوِ حديثِها يُتاجَر، وبسفورِها، وعُريِ مفاتِنِها يُترَبَّح، بل وبجسدِها قد يُعبَث.
يعملون ليلَ نهارٍ على تصييرِها إلى آلةٍ صمّاء، ضِمارُها جسدُها وزينتُها، فلا روحَ يُعتنى بها، ولا مشاعر تراعى، ولا عقلَ يُرتقَى به، ولا دينَ يُحافَظ عليه، ولا خصوصيةَ تبقَى لها.
قد عصتْ خالقَها ورازقَها، وأغضبتْ من أسبغَ عليها نعمَه الظاهرةَ والباطنةَ، وخرجتْ من رعايةِ أسرتِها المُحِبةِ لها والمعنيَّةِ بمصالحِها، إلى تسلّطِ بعضِ المديرين، وأربابِ سوقِ العمل، وزملاءِ المهنة، ومن ينتظرُ منها لحظةَ ضعفٍ تُوقِعُها في شِباكِه ووسيعِ ابتزازِه، وبطريقةٍ لا يُمكنُها بحالٍ الخروجُ منها.
فإلى تلك الحالةِ يقودُ أعداءُ الفضيلةِ، وحملةُ ساريةِ الفتنةِ، فتاتَنا المسلمةَ في بلدانِنا، وهي غافلةٌ عن حقيقةِ المشهدِ الذي تُساقُ إليه، وغيرُ مدركةٍ لحقيقةِ المأساةِ التي صُنِعَت لها، وتُجَرُّ بخُبثٍ، وعِظَمِ مكرٍ، ودهاءٍ إليها، تحت دعاوى الحرية، وضغطِ المتعة، حتى لا تَفيقَ مبكرًا من سباتِها وغفلتِها.
فيا تُرى، هل تتنبهُ المسكينةُ وترعوي قبلَ حدوثِ المأساةِ، وقبلَ أن تتحوّلَ إلى آلةٍ صمّاء، خاضعةٍ لأهواءِ الشارع، كافرةٍ بفطرتِها، خاسرةٍ مع الزمنِ لأسرتِها، ومحيطِها، ومستقبلِها، وسكينتِها، أم لا؟
والله الهادي.







