المشهد العام: انتفاضة خرجت من طور الاحتجاج
تشير المعطيات الميدانية والإعلامية المتقاطعة إلى أن ما يجري في إيران لم يعد يُصنّف كاحتجاجات دورية أو اضطرابات اجتماعية، بل كـحالة تمرد مجتمعي ممتدة تستهدف البنية الصلبة للنظام. الجديد في هذه الانتفاضة هو تجاوزها ثنائية الماضي: لا عودة إلى حكم الشاه، ولا قبول باستمرار نظام الملالي. هذا الوعي الشعبي المتقدم يُعدّ تطورًا نوعيًا مقارنة بسيناريو 1979، حيث تم اختطاف الثورة عبر بديل جرى تسويقه دوليًا على حساب الإرادة الوطنية.
التهديد الرئيسي: هندسة بدائل من خارج السياق الشعبي
التحليل الاستخباراتي يضع “صناعة البدائل الزائفة” في صدارة المخاطر. تجارب المنطقة، وإيران تحديدًا، تُظهر أن الأنظمة المنهارة غالبًا ما تُستبدل بنماذج جاهزة تُقدَّم بوصفها حلولًا انتقالية. هذه المقاربة لا تختلف وظيفيًا عن دعم الشاه سابقًا، ثم غضّ الطرف عن صعود خميني. اليوم، يُعاد تفعيل الآلية ذاتها تحت شعارات الاستقرار والانتقال المنضبط، في تجاهل متعمد لحقيقة أن الشارع الإيراني يطالب بـقطيعة شاملة لكل أشكال الاستبداد.
أدوات القمع: مؤشرات انهيار لا قوة
تفيد تقارير موثوقة باستخدام النظام وسائل قمع غير تقليدية، من بينها مواد كيمياوية ضد المتظاهرين، إضافة إلى الاستعانة بميليشيات أجنبية. استخباراتيًا، هذا السلوك لا يُقرأ كتصعيد واثق، بل كـإقرار بفقدان السيطرة الداخلية. الأنظمة المستقرة لا تحتاج إلى استيراد القمع. هذا الاعتماد الخارجي يعكس هشاشة أمنية وتآكلًا في الولاء داخل الأجهزة التقليدية.
التحشيد الأمريكي: تركيز على رأس النظام لا على هندسة البديل
تشير طبيعة التحركات العسكرية الأمريكية في الإقليم إلى أن الهدف المرجّح لا يتمثل في إدارة انتقال سياسي شامل، بل في تحييد رأس النظام ممثلًا في خامنئي ودائرته الصلبة، باعتبارها مركز القرار والتعطيل. هذا النمط من التحشيد يوحي باستراتيجية قطع الرأس بدل تفكيك البنية، أي إسقاط القيادة العليا دون بلورة تصور متكامل لليوم التالي. المقاربة الأمريكية، في هذا السياق، تبدو أقرب إلى معالجة أمنية تستهدف إنهاء مصدر التهديد، لا إلى مشروع سياسي يدعم تحولًا ديمقراطيًا مستدامًا. ويفتح هذا المسار، في حال نجاحه، الباب أمام فراغ سياسي قد يُملأ بتسويات فوقية أو قوى جاهزة، بما يهدد بإعادة إنتاج الاستبداد بأدوات مختلفة بدل تمكين إرادة الشعب.
رسالة القادة الأوروبيين: كسر السردية الثنائية
رسالة 14 زعيمًا أوروبيًا سابقًا إلى الاتحاد الأوروبي تمثل اختراقًا سياسيًا مهمًا. فهي ترفض صراحة ديكتاتورية الشاه والملالي معًا، وتدعو إلى دعم جمهورية ديمقراطية. استخباراتيًا، هذه الرسالة تُضعف السردية التي طالما استخدمها النظام لتخويف الداخل، وتمنح شرعية دولية لفكرة أن الخيار الوطني الثالث ممكن وقابل للدعم.
ترامب وتصريح “الرجل المريض”: اعتراف لا سياسة
وصف دونالد ترامب لخامنئي بأنه “رجل مريض دمّر بلاده” يحمل دلالة اعتراف بانسداد أفق النظام. غير أن هذا الخطاب، في غياب استراتيجية واضحة، قد يُستخدم لتبرير تغيير مُدار خارجيًا، وهو سيناريو لا يحظى بشرعية داخلية، حيث إن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتحديد مكامن الخلل، بل بإدارة ما بعد الانكشاف.
الغرب ومسؤولية التكرار
الوقائع التاريخية تؤكد أن الغرب كان شريكًا في صناعة الاستبداد الإيراني، بدءًا من دعم بهلوي، ثم التساهل مع خميني. أي محاولة جديدة لاختيار “زعيم مناسب” من خارج النسيج الوطني ستُعدّ تكرارًا للخطأ ذاته، مع نتائج محتملة أكثر فوضوية.
التقدير النهائي
إيران تقف عند نقطة تحوّل حساسة. المؤشرات تؤكد أن النظام فقد السيطرة الاستراتيجية، لكنه لا يزال قادرًا على التعطيل. الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوطه، بل في مصادرة لحظة السقوط. الرسالة الأوضح:
لا تكرروا 1979. فهذه الانتفاضة ترفض الوصاية، وتطالب بحل ينبع من الداخل، لا يُفصّل في العواصم.


