آثر قادة المقاومة إيقاف الحرب على السبيل الذي رأيتم حرصًا على إيقاف المقتلة اليومية واستنقاذًا لمدينة غزة إذ تُمثِّل عاصمة البلد، وكان من تبعات ذلك الدخول في حالةٍ بين السلم والحرب، أو يمكن القول: إنَّ الحرب لم تتوقف ولكن اختلف شكلها وهو ما يَحمِلُ على تغيير التكتيك الأمني وكذا العسكري بحسب ذلك.
وأهم عناءٍ ميدانيٍّ يواجه المجاهدين في الميدان هو أنَّ العدوَّ يستغل حركتهم في متابعة العمل وترتيب الصفوف والقيام بما يلزم في تجميع بنك أهداف بشرية، فإذا تجمَّع لديه عددٌ جيدٌ من ذلك أحدث أي اختراقٍ وقام باستهداف الجميع في ساعة فجأة، وبهذا يصل في يومٍ لما لم يكن يصل إليه خلال الحرب في أسابيع أو أشهر.
ومن هنا يمكن تلخيص أهم ملامح الحرب في شكلها الجديد بأنها (حرب الجولات الخاطفة)، فالمرحلة التي ستعيشها البلد بضعة أشهر وربما زادت عن سنةٍ هي مرحلة الهدوء النسبي ثم الدخول في جولةٍ خاطفةٍ ثم يتدخل الوسطاء لإعادة الهدوء ثم العودة إلى حالة الهدوء ليبدأ العدو في تجميع بنك أهداف جديد وهكذا.
ومن الواجب الأمني هنا: أن هذه الحرب ينبغي أن يكون لها سياساتها وتكتيكاتها في المواجهة.
ولعلَّ من أهم ما ينبغي تسجيله من ذلك أنَّ من يعتقد أنه مطلوبٌ يُبحَث عنه وأن الجولة الخاطفة يمكن أن تستهدفه في ساعتها الأولى أنه لا يستخدم الجوال بأيِّ حالٍ من الأحوال، وإذا تحتم ذلك فليكن في أماكن آمنة، هذا بالإضافة إلى اعتماد مكانٍ جديدٍ يقيم فيه بحيث يرجع إلى مكانه الأصلي في لحظة الخطر وهذا لا يكشفه لأحدٍ من الناس خارج دائرته الخاصة أنى كانت درجة الثقة لما هو معروفٌ بداهةً في الأروقة الأمنية أنَّ المعلومةَ على قدر الحاجة لا على قدر الثقة.
وأما الدائرة الواسعة من المجاهدين والتي يمكن أن يطالها الاستهداف ولكن يغلب الظن أن افتتاح الجولة الخاطفة لا يحصل بهم فعلى الواحد من هؤلاء أن يعيد برمجة نفسه على الخروج من المشهد في دقيقةٍ بالانقطاع الفوري ولو تعطل في ذلك من المصالح ما تعطَّل، وذلك بترك الجوال وترك الحركة أو تخفيفها ما أمكن ولو أمكن تغيير المكان فهو خير، ويكون هذا السلوك عامًّا بحيث يكون موضع تقديرٍ واعتبارٍ من الجميع ويحصل به العذر.
وبلغةٍ أكثر وضوحًا: فإنَّ الدقيقة الأولى في الجولة الخاطفة إذا كانت لك فالثانية قد تكون عليك.
والحاجة اليوم ماسةٌ لكلِّ رجلٍ لوجود عشرات الثغور التي تحتاج إلى من يقف بسدِّها ويُحسِنُ القيام بأعبائها، فبقاء الرجل عاملًا في الميدان خيرٌ من تلبسه بأسباب الشهادة، وقد تطرقت لطرفٍ مهمٍّ من معالم الفقه الشرعي في ذلك في ثنايا فتوى قديمة بعنوان: «ما حكم تعرض المجاهد للشهادة بعد الانتهاء من المهمة الجهادية ومخالفة الأوامر بالانسحاب إذا أتمَّها؟».
والغالب أنَّ الجولة الخاطفة يكون لها مقدمات، ومن السياسة الأمنية إزاء ذلك أنَّ إرهاصات الجولة متى بدأت فإن وضع الطوارئ ينبغي أن يدخل تلقائيًّا ويصبح هذا موضع رعايةٍ وتقدير من جميع المجاهدين والمستهدفين، بحيث يتم الدخول في حالة الطوارئ يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك بحسب طبيعة الجولة، فإذا زالت أسبابها أو مرت أحداثها تمت العودة لحالة ما قبل الطوارئ.
والشيء الذي أؤكده بأعلى درجات الوضوح أن يكون مجملُ ما يتقرر في السياسة الأمنية المطلوبة هنا ثقافةً سائدةً لئلا يشعر الواحد من المجاهدين بالحرج إذا خرج عن المشهد فجأة إذا بدأت إرهاصات أي جولة، ولو تعرض لعتبٍ فينبغي أن يكون وافر الحجة، وعلى السادة المجاهدين في الدوائر القيادية القيام بواجب التبصرة بهذا الخصوص ليصبح سياسةً على امتداد الأشهر القادمة حتى تنتهي هذه الحالة على خير، والتي سيخففها انشغال العدو بأزماته الداخلية وخلافاته البينية التي ستبقى في تصاعدٍ وهو ما سيوفر هامشًا جيدًا من الحركة حينئذ.
ولو أنَّ إحدى الجولات الخاطفة طالت عن نحو أسبوع فيصبح من التكتيك الأمني اعتياد التواصل الميداني بحسب الطرائق التي كانت تتبع أثناء الحرب.
والخلاصة: أننا في حالةٍ بين السلم والحرب، ومن أهم ملامحها حرب الجولات الخاطفة، ومتى قامت إرهاصات أي جولةٍ فينبغي تفعيل حالة الطوارئ فورًا، وعلى كلِّ من هو في مظنة الاستهداف أن يعلم أن الجولة يمكن أن تبدأ فجأة، وعندئذٍ فالدقيقة الأولى إذا كانت لك فإنَّ الثانية قد تكون عليك، وعلى كل حال فلا يخسر على الله أحد.
سلمكم الله وآواكم وحرسكم وأخذنا جميعًا إلى العافية والخير.
والحمد لله رب العالمين.







