شاهدت حلقة من «بودكاست فصل» فيها حديث عن «تاريخ التفسير».. والضيف هو الدكتور وليد صالح (من داخل الاستشراق: درس عندهم ويتبنى آراءهم):
= يدعي أن الاسشراق ليس شرًا كله، بل فيه خير، وخدم القرآن والتراث الإسلامي!!
وهذا صحيح في مستوى التفاصيل لا السياق العام. فالاستشراق شر جملةً، والخير استثناء. ولا عبرة بالاستثناء، بل إن الاستثناء يشكل دعمًا للسياق العام (الشر) إذا نظرنا إليه من ناحية أنه مثّل تكئة لتمرير كثير من الشر. كما يفعل هو الآن. فحين يهاجم الناس الاستشراق يأتي من يقول: فيه خير فقد فعل كذا وكذا، والكل يعرف أن “الشر لا يتمحض، ولا الخير”… العبرة بالغالب.. بالاتجاه العام.
= ويزعم أن التفسير متعدد حسب الأيديولوجيا (العقيدة/ المذهب) الذي يتبناه المفسر، وأن كل أمة من الناس لها تفسير خاص بها: أنشأته أو طبعته. وهو بهذا يعلن بصوت عالٍ تبنيه للتأويل المفتوح للنص (قرآن وسنة).. ما يعرف بـ الهرمنيوطيقا، ويتضح هذا أكثر في إيراده لأمين الخولي على أنه أحد أوجه التفسير البياني للقرآن الكريم، مع أن أمين الخولي تم تكفيره من الأزهر الشريف، ورفض رفضًا تامًا، وخالفه الجميع إلا نصر أبو زيد ونفر أو نفرين تجمعوا ساعة من نهار تحت مسمى “مدرسة الأمناء” ثم انفضوا ولم يسمع بهم أحد؛ ويتضح تبنيه للتأويل المفتوح للنص من ادعائه بأن الكل يفسر القرآن الكريم بما في ذلك الأطباء والمهندسين، وكأن هؤلاء يبدؤون تفسيرهم من عند أنفسهم لا مما ورثوه عن الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم، وكأن كل من تحدث في التفسير ابتدأ علمًا من عند نفسه!!
ويظهر تبعيته لـ “الهرمنيوطيقا” الغربية من إصراره على أن السلفية حادثة ولا جذور لها، ويؤرخ لها- ضمنًا- بمحمد عبده؛ وأن أهل السنة هم “الأشاعرة”، مع أن السلفية تنقل عن الصحابة والتابعين ولها في كل عصر رأس تطبع كتبه وتتبعه.
= ويزعم أن التفاسير التي انتشرت هي التي وجدت دعمًا ماديًا: طباعة وتدريس. وهذا صحيح في العصر الحديث فقط. ومن قبل كان الدعم من المجتمع/ الأمة، من خلال “الأوقاف”، وكان الناس حول الأئمة الأعلام، وكانت السلطة بعيدة. لم يكن المجتمع بمن فيه مسيسًا.. لم تكن السلطة تصل إليهم وتتحكم فيهم كما هو الحال الآن. وتعميم ما أحدثته “الدولة الحديثة” غير صحيح، يقرأ الماضي بمعطيات الحاضر. يقرأ التمكين بمعطيات الاستضعاف!!
= ويزعم وأن كل مرحلة أفرزت ما يناسبها من “تفسير”. وأرجو ممن يؤمن بهذا القول أن يقرأ رسالتي (20 صفحة فقط) والتي بعنوان: “مقدمة منهجية لدراسة السيرة النبوية“.
ويغيب عن الدكتور وليد صالح ومن وافقه طبيعة النص القرآني. يظنون أن النص دائمًا يحتاج لواسطة بينه وبين الناس (مفسر) وأن هذه الواسطة تخضع لشروط سياسية وبيئية ومذهبية، وبالتالي تتغير مع تغير هذه المعطيات أو بعضها.
القرآن الكريم والسنة (الوحي) بيِّنٌ، ومبيّنٌ، وحاكم. بيّنٌ في نفسه، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾، ومُبيِّن لغيره، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، وحاكم على الناس فيما اختلفوا فيه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، ويقول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
والمتشابه المحكم قليل ولا يبنى عليه أحكام، وقد أتيت هذا المعنى أكثر من مرة.
فالنص عندنا له سلطة بيانية وسلطة تشريعية وسلطة في الفصل بين الناس. هو بنفسه. وما المفسرون إلا نتاج النص نفسه.. إلا حديث للناس بما يتحدث به الوحي.. لا بيان لنص مبهم.
التفسير في جملته نوع من المُدَارسة والتذكير وتنبيه الغافل وتعليم حديث العهد بالعلم، لا قول يبتدئه المفسر.


