قبل ثلاثين عاما تقريباً.. اتصل بي صديقي (الوافد العربي) الذي يعد الدكتوراة بقسم الشريعة الإسلامية بدار العلوم بالقاهرة.. والذي يأخذ رأيي في كلمة فيها، وكأنني أعدها لنفسي.
صديقي هذا من بلد عربي (حاله على قده) وكذلك حال صديقي.. لكنه بلد العلم والعلماء.. والقرآن والسنة والحفظ والإسناد والرواية.
قال صديقي: أين أنتم يا مولانا.. معنا الآن سيارة، ونريد التشرف بإحضارك من أي مكان لمقابلة شيخنا، الذي يزور القارة الآن..
وأن نتناول جميعا الغداء معا.. وأن يسعد الطلاب بمناقشة علمية مفتوحة بينك وبين مولانا.. تكون فرشة علمية طيبة لطلابنا الذين يدرسون بالدراسات العليا بمصر، وجميعهم حوالي أربعين طالبا بمختلف التخصصات ٠لكن بيننا جميعا تعاون جيد، فيما يخص العلوم الشرعية
ذهبت إليهم.. وكانت التحايا والغداء العربي الحضرمي الأصيل، والجلسة العلمية المستفيضة.
ثم كانت المفاجأة التي لم تخطر لي على بال..
حيث بادر مولانا بإهدائي كتابة الفريد عن الإمام البخاري.. والذي قطع بها الطريق على كل الشبهات والتخرصات التي طاش بها السفهاء حول الإمام البخاري.
ثم.. همّ بتدوين إجازته لي.. في رواية كل مروياته، وعلى رأسها إجازته لي، في البخاري ومسلم.
ثم إجازتي في كتاب (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) للجلال السيوطي، وكذلك إجازني في رواية (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) لابن حجر.
ولما راجعت الشيخ المسند الجليل في هذه الإجازات، قال لي: أنت تعلم أن ابن حجر كان يجيز طلابه وأولادهم.
وبقدر سعادتي وامتناني لفضيلته على هذه الإجازات العالية.. التي لا تنبغي إلا لكبار الراسخين في العلم.
إلا أنني أسفت في دخيلة نفسي.. وحزنت حزناً مريراً على هذا التهاون المزري في منح هذه الإجازات الرفيعة المستوى، لكل من هب ودب.. حتى خرج بها اليوم نفر سفيه من سفلة الأراذل وكلاب السكك،
ينبحون أبا حنيفة والنووي وابن حجر والسيوطي.. بل ويقترف أحد نبّاحيهم إثم مباهلتهم علي الحق والباطل.
وفريق أخر منهم، لا يكفون عن النيل في عصرنا من الأئمة المجاهدين الأفذاذ.. الذين لا يرقي وجودهم وما قالوا الي غبار نعالهم.
قبح الله وجوههم.. فهم القاعدون المتبطلون المخذّلون.. القابعون في حظائر السلاطين.. الهانئون في ظل عطاياهم وعلائفهم.
ألا لعنة على الظالمين
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)


