مقدمة استراتيجية في بنية السلوك الإقليمي
تعكس التطورات المتلاحقة في الإقليم تصدعات عميقة في بنية الاستقرار الإقليمي، حيث تبرز المملكة الأردنية الهاشمية وعدة عواصم عربية أخرى كساحات مستهدفة لسياسات نظام طهران. إن القراءة المتعمقة لخطاب السياسة الخارجية الإيرانية تفصح عن اعتماد استراتيجية مزمنة تقوم على إدارة الأزمات عبر الحدود، متجاوزةً الأعراف الدبلوماسية وقواعد حسن الجوار. ولا ينفصل هذا السلوك عن أزمة الشرعية السياسية التي يعاني منها النظام، مما يجعله يعتمد على أدوات القوة الخشنة كالطائرات المسيّرة والميليشيات الوكيلة لتثبيت معادلات نفوذ تتجاوز سيادة الدول الوطنية وتهدد السلم الإقليمي برمته.
ميكانيزمات الهروب إلى الأمام والتآكل الداخلي
تشير التقارير الميدانية المستقلة ومراكز الرصد الحقوقية الدولية إلى أن التصعيد الإقليمي المستمر لا يعكس فائض قوة، بل يترجم حالة ذعر هيكلي تعتري مراكز صنع القرار في طهران. فالاحتجاجات المعيشية الواسعة، والانهيار غير المسبوق للعملة المحلية، وتصاعد حركات الاحتجاج المنظمة، تشكل ضغوطاً وجودية تدفع السلطة إلى تصدير الأزمات الداخلية نحو الجوار العربي. وبدلاً من معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية البنيوية، يلجأ الجهاز الحاكم إلى تشديد القبضة الأمنية ومضاعفة أعداد الإعدامات، بالتوازي مع تحريك شبكات النفوذ الإقليمي لتعطيل أي مسار استقرار عربي وتشتيت الانتباه عن الإخفاقات الهيكلية المتراكمة.
عقم الخيارات التقليدية: بين وهم الاحتواء ومخاطر المواجهة
أثبتت التجربة السياسية الممتدة لعقود أن المقاربات الدولية والإقليمية المتبعة حيال طهران قد وصلت إلى طريق مسدود تماماً. فمن ناحية، فشلت سياسة المماشاة الدبلوماسية والمهادنة في كبح جماح التدخلات العابرة للحدود، بل أفسحت المجال لتمدد الميليشيات وتحصين البنى العسكرية للمشروع الإقليمي. ومن ناحية أخرى، أثبتت الخيارات العسكرية التقليدية محدوديتها في إنهاء جذور الأزمة، حيث تمنح الضربات المحدودة النظام ذرائع إضافية لتبرير القمع الداخلي وتعبئة الحاضنة الشعبية تحت شعارات قومية زائفة، مما يكرس حلقة مفرغة من العنف المتبادل وعدم الاستقرار.
المسار البديل: نحو أفق استراتيجي جديد
ينطلق الحل الحقيقي والمستدام من مقاربة حقوقية وسياسية ترتكز على الاعتراف المشروع بحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره بنفسه. إن الدعم الدولي والإقليمي لخيارات المقاومة المنظمة الساعية لإقامة نظام ديمقراطي تعددي يمثل حجر الأساس لإنهاء حالة التوتر الدائم في الشرق الأوسط. وتستند هذه الرؤية الاستراتيجية إلى ثوابت واضحة تتمثل في فصل الدين عن الدولة، وصون الحريات العامة الأساسية، وإرساء علاقات تعاون ندية وطبيعية مع دول الجوار، بدلاً من الاعتماد على سياسات الهيمنة وتصدير الصراعات الطائفية والعرقية.
الوعي الجماعي العربي والموقف الدولي المطلوب
تجسد الوثيقة العربية التي وقعتها أكثر من 120 شخصية فكرية وسياسية وازنة تحولاً نوعياً في إدراك طبيعة الخطر الإقليمي الداهم، مؤكدة أن أمن العالم العربي متصل عضويّاً بإنهاء البنية العدوانية للنظام الحاكم في إيران. وفي هذا السياق، تبرز المسؤولية الدولية الملقاة على عاتق المؤسسات الأممية والدول الكبرى لتجاوز سياسات الصمت أو الحياد السلبي التي شجعت طهران على التمادي. إن استقرار الشرق الأوسط يظل رهناً بتخلي طهران نهائياً عن عقيدة التدخل العابر للحدود، وتمكين الشعب الإيراني من بناء دولته الوطنية الديمقراطية كشريك فاعل وموثوق في السلم والأمن الدوليين.


