9- لا يَسمَعون في جنّة الخُلد لَغوًا ولا كِذَّابًا:
يقول الله تعالى في وصف جنة الخُلد التي أعدّها الله تعالى لعباده المتقين:
(لا يسمعون فيها لغوًا ولا كذابًا) النبأ 35، ويقول: (لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا) {الواقعة: 25}، لكننا نجد أنّ آدم عليه السلام قد سمع في الجنة التي أسكنه الله تعالى فيها كَذِبَ الشيطان ولَغوَه وتأثيمه وإغواءه ووسوَسَتَه، يقول الله تعالى: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) {طه: 120}.
وهذا يؤكّد أنّ آدم عليه السلام عندما سمع هذا الكذب والإغواء من الشيطان، فإنما كان يسكن في جنة (حديقة) على الأرض، فيها لَغوٌ وكَذِب وتأثيم، إذ لا يوجد شيء من هذا في جنة الخُلد التي في السماء.
10- جنة الخُلد ليست في الدّار الأُولى:
إنّ القول بأنّ آدم وزوجه عليهما السلام قد أسكنهما الله تعالى جنة الخلد التي في السماء، والتي هي جنة الآخرة، يستلزم أنْ تكون الدارُ الآخرةُ هي الدارَ الأولى أو الدنيا التي استُخلف آدم عليه السلام في أرضها، فتكون التسمية للدارين متناقضة وغير صحيحة، فآدم وزوجه عليهما السلام لم يُسكَنا جنةَ الآخرة، بل أسكنهما الله تعالى جنةً في الأرض فيها من النعيم والخيرات والثمار والأنهار ما يُغنيهما عن التعب والنصب، لكنه وزوجَه عليهما السلام قد استجابا لوساوس الشيطان، فعصَيَا ربَّهما، وذاقا الشجرة، فاستحقَّا الخروج ممّا كانا فيه من النعيم، يقول الله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) {البقرة: 36}.
ولم يَرِدْ في القرآن الكريم أو السُّنة الصحيحة أنّ الله تعالى قد رفع آدم عليه السلام إلى السماء بعد خَلقه من تراب الأرض، ولكنّ الذي حدث أنّ الله تعالى قال لآدم بعد خلقه وتعليمه الأسماء كلها وإسجاد الملائكة له:
(ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) {الأعراف: 19}، فلم يتم رفعه كعيسى عليه السلام، ولم يعرُج إلى السماء كمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو حدث هذا لذكَره الله تعالى لعظمته وأهميته.
وقوله تعالى:
(فأخرجهما مما كانا فيه) {البقرة: 36}، يُشير إلى النعيم الذي كان مُتاحًا ومتوفرًا لهما في الحديقة الغنّاء التي هيّأ الله لهما فيها كلَّ ما يحتاجان له، ليعيشا في رغَد وسعادة، فهما قد خرجَا من الراحة إلى التعب على هذه الأرض نفسها، وهو ما يؤكّد أنّ الجنة التي أُسكِنها آدمُ وزوجُه عليهما السلام كانت على الأرض في هذه الحياة الدنيا، ولم تكن جنة الآخرة التي في السماء.
11- جنة الخُلد فيها ما لا عَينٌ رأت:
لقد أعدّ الله تعالى لعباده الصالحين جنةً عاليةً في السماء، وخلق لهم فيها كل ما يشتهونه من النعيم، مما لم يرَه أو يسمعه أحد، وما لم يخطر بِبَال بشر، فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(قال الله تبارك وتعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قلب بشر)، وفي الحديث دليلٌ على أنّ جنّة الخُلد التي أعدَّها الله تعالى لعباده الصالحين في السماء لم ترَها عينُ آدم عليه السلام الذي هو أبو البشر، ولم تسمعْ بها أُذُنه، ولم تخطُر بباله، وهو ما يؤكّد أنّ جنة السماء هي فقط في الآخرة، وليست مُتاحةً لأحدٍ من البَشَر في الدنيا أنْ يسكُنَ فيها ويأكلَ ويشربَ منها، وأنّ الجنة التي أَسكَن الله تعالى فيها آدم وزوجه عليهما السلام كانت في الأرض.
12- التكليف في الأرض من مُقتضى حكمة الله تعالى:
جاء في تفسير أبي القاسم البَلخِي: أنّه (لا يجوز في حكمته تعالى أنْ يبتدئ الخلقَ في جنة يخلّدهم فيها ولا تكليف، لأنه تعالى لا يُعطي جزاءَ العاملين مَن ليس بعامل، ولأنه لا يُهمِل عبادَه، بل لا بُدّ مِن ترغيب وترهيب ووعد ووعيد)، وهذا يعني أنّ الله تعالى قد أسكن آدم وزوجه جنةً في الأرض فيها تكليف بـ (افعل، ولا تفعل)، وأوجب على المعصية فيها عقوبة، ولو كان أسكنه جنة الخُلد التي في السماء لما تمَّ تكليفه فيها بشيء.
إنّ كلّ ما سبق وغيرَه، يجعلنا نستريح ونحن نختار بعد هذا التدبُّر القول:
بأنّ الجنة التي أسكن الله تعالى فيها آدم وزوجه عليهما السلام كانت جنةً في هذه الأرض التي نعيش عليها، وهو ما يُقوّي ما افترضناه في بداية هذا البحث أنّ جنة آدم عليه السلام كانت بجبل عرفات، وأنّ وقوف الحجيج بهذا المكان ليس مجرَّد وقوفٍ بأرض خالية، بل هي أرضٌ مليئة بالأحداث العظيمة منذ خُلق آدم عليه السلام.
ثانيًا: جبل عَرَفات (عَرَفة): عَظَمَةُ المَكان وعَظَمَةُ الزَّمان:
أ- عَظَمَـةُ المَكـان:
إنّ المُتأمّل في بعض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية يجد أنّ فيها إشاراتٍ واضحةً تخصّ جبل (عرفات)، وأنّ ثَمَّة علاقةً وثيقةً لآدم عليه السلام بهذا المكان منذ استخلاف الله تعالى له في الأرض، وقبل أنْ يكون له نسلٌ وذرية، وفي هذا يقول الله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) {الأعراف: 172}.
إنّ هذا الأخذ والإشهاد مِن الله تعالى على بني آدم إنما كان في جبل عرفات الذي يقف به الحجيج في اليوم التاسع من ذي الحجة من كلّ عام، والذي نراه أنه مكانُ الجنة التي أُسكِن فيها آدم وزوجه عليهما السلام، ويدُلُّ على هذا ما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بنَعْمَان يعني (عَرَفة)، فأخرج من صُلبه كلَّ ذريةٍ ذَرَأها، فنثرهم بين يديه كالذَّر، ثم كلمهم قُبُلًا، قال: “ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا أنْ تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين).
تقول كفاية العبادي:
(ونَعمانُ وادٍ يقع في الجهة الشمالية الشرقية لمكة المكرمة بمسافة أربعة وعشرين كيلومترًا، ويعتبر أكبر الأودية في مكة المكرمة، حيث يقع تقريبًا ما بين مدينة الطائف ومدينة مكة، وأنّ أجزاء من الوادي ترتبط بالجهة الجنوبية لجبل عرفة).
و(نَعْمَان) كلمةٌ على وزن فعلان، وهو يعني الامتلاء بالنِّعمة، فجبل عرفات مملوء بالنِّعَم والنعيم، وأوَّل هذه النِّعَم معرفةُ الرب الخالق الرازق، والإله المعبود، وأخذُ الميثاق.
وفي الحديث الشريف تصريحٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ المكان الذي تمّ فيه أخذ الميثاق من بني آدم، وإشهادهم على ربوبيته عزّ وجلّ، هو (نَعْمَان) بجبل عرفات، وأنّ آدم عليه السلام عندما أسكنه الله وزوجَه الجنة قد كان بجبل عرفات، وهو مكانٌ مرتفع، نظنّ أنه عليه السلام قد هبط منه إلى مكانٍ أدنى بعد أنْ أكل وزوجُه من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الاقتراب منها.
👇👇👇
يُتبع إن شاء الله..


