إنَّ المتأمِّلَ في حالِ أُمَّتِنا اليومَ يجدُ الجامعاتِ والمعاهدَ تدفعُ بأفواجٍ من أصحابِ العمائمِ وخريجي كليَّاتِ الشريعةِ، ولكنَّ بعضهم يعاني فصامًا بينَ القولِ والعملِ، وبينَ الشَّكلِ والجوهرِ، وبينَ ما يدعونَ إليهِ وما يتخلَّقونَ بهِ.ّ
إن من أعظمِ ما يُبتلى بهِ طالبُ العلمِ إعجابُهُ برأيِهِ، وتقديسُهُ لمشايخِهِ، فإيَّاكَ ثمَّ إيَّاكَ أن تتكلَّمَ مع الناس وكأنَّكَ وصيٌّ على الدِّينِ، أو وكيلٌ عن ربِّ العالمينَ، أو أن تُلبِسَ رأيَكَ ثوبَ الشريعةِ، ثمَّ تُخاصمَ الناسَ عليهِ، وكأنَّ من نازعَكَ في رأيِكَ، قد نازعَ الوحيَ نفسَهُ.
إذا اعتادَ المرءُ على تقْديمِ فهْمِه ِالخاص، أو فهمِ شيخِهِ، في صورةِ الحقِّ المقدَّسِ، أغلقَ في وجوهِ الناسِ بابَ مراجعتِهِ ونقدِهِ والاستدراكِ عليهِ، ثمَّ أغلقَ على نفسِهِ بابَ التمحيصِ والتصويبِ والمحاسبةِ. وهنا يبدأُ العلمُ في التَّحوُّلِ من نورٍ يهدي إلى اللهِ، إلى ستارٍ كثيفٍ يحجبُ صاحبَهُ عن رؤيةِ عيوبِهِ.
ومن أخطرِ مآلاتِ هذا المسلكِ أنَّ الناسَ ينقسمونَ عندَ صاحبِهِ إلى فسطاطينِ لا ثالثَ لهما: فمَن وافقَهُ، أو وافقَ شيخَهُ، فهو في معسكرِ الحقِّ، تُلتمسُ لهُ المعاذيرُ، وتُغفَرُ لهُ الزلَّاتُ، ويُتجاوَزُ عن طيشِهِ وسوءِ أدبِهِ. وأمَّا من خالفَهُ فهو في معسكرِ الباطلِ، تُسحَبُ عليهِ أحكامُ السوءِ، وتُلصَقُ بهِ التُّهَمُ، وتُنتظَرُ منهُ التوبةُ.
وقد وضعَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ يدَهُ على أصلِ الداءِ حينَ قالَ: «ومَن نصَّبَ شخصًا، كائنًا مَن كانَ، فوالى وعادى على موافقتِهِ في القولِ والفعلِ، فهو مِن الذينَ فرَّقوا دينَهم وكانوا شِيَعًا».
ولم يكنِ السَّلفُ الصالحُ يُحسنونَ الظنَّ بأنفسِهِم ذلكَ الإحسانَ الساذجَ الذي يُميتُ البصيرةَ، بل كانوا أشدَّ الناسِ اتِّهامًا لأنفسِهِم، وأبعدَهُم عن العُجبِ بما عندَهُم. وطالبُ العلمِ الحقُّ لا يتَّخذُ من النُّصحِ سُلَّمًا للاستعلاءِ الأخلاقيِّ على الآخرينَ، ولا يجعلُ من انتسابِهِ إلى الشريعةِ صكًّا يرفعُهُ فوقَ الخلقِ؛ لأنَّ العلمَ إن لم يكنْ سببًا في تهذيبِ النفسِ، صارَ وقودًا خفيًّا لكِبْرِها.
إنَّ استعمالَكَ لمصطلحاتِ الشريعةِ، أو نصوصِ الدِّينِ، أو كلامِ أئمَّةِ المسلمينَ، في غيرِ سياقِها أو مناطِها، لن يُضيفَ إلى كلامِكَ حُجَّةً إلا عندَ الرُّعاعِ، ولن يُضفيَ على رأيِكَ قداسةً إلا عندَ الأتباعِ، ولا يزيدُ كلامَكَ قوَّةً عندَ أهلِ البصيرةِ، .
إنَّ أخطرَ ما يقعُ فيهِ طالبُ العلمِ أن يجعلَ العلمَ الشرعيَّ سُلَّمًا لترميمِ نقصِ نفسِهِ، أو وسيلةً لسترِ خِسَّتِها، أو مطيَّةً لتضخيمِ صورتِهِ في أعينِ الناسِ، ووسيلةً للاستعلاءِ على المخالفِ والتشهيرِ بهِ.
وكما قالَ أستاذُنا الغزاليُّ رحمهُ اللهُ: «إنَّ التديُّنَ المغشوشَ أشدُّ إفسادًا للأُمَّةِ من الإلحادِ المكشوفِ».
وذلكَ لأنَّ الفسادَ والإلحادَ إذا أسفرَا عن وجهِهِما أمكنَ كشفُهما، ثمَّ مقاومتُهما، ثمَّ القضاءُ عليهِما. أمَّا إذا جاءَ الفسادُ في ثوبِ متنسِّكٍ، وفي جلبابِ الدِّينِ، محاطًا بألقابِ الشيخِ والفقيهِ والدكتورِ… فإنَّهُ يُفسدُ الضمائرَ باسمِ الإصلاحِ، ويزرعُ الكِبْرَ باسمِ الغيرةِ، ويُشيعُ الرِّياءَ باسمِ النُّصحِ. وحينئذٍ يظنُّ صاحبُهُ أنَّهُ يحمي الدِّينَ ويُرضي ربَّهُ، وهو في الحقيقةِ إنَّما يُطعِمُ نفسَهُ من شهوةِ الجاهِ، والثناءِ، والتقدُّمِ على الخلقِ.
أتمنَّى على كلِّ أستاذٍ في كليَّاتِ الشريعةِ أن يُعلِّمَ تلاميذَهُ الأدبَ قبلَ الطلبِ، والتجرُّدَ للحقِّ، والتواضعَ للخَلقِ، وتركَ التَّعصُّبِ للرأيِ، أو التَّحزُّبِ لطائفةٍ؛ فإنّ تركَ الأدبِ يحرمُ الطالبَ من برَكةِ العلم وإن استكثرَ من المحفُوظات.


