في حوارات الأديان تدور مجادلات مختلفة كثير منها يمكن تسميته حوار الطرشان لأن التعصب المقيت يدفع من يتمسك بباطله لينكر الحقائق ويفتري الكذب..
ومن البديهي أن يحدث اختلاف وأن يتمسك كل برأيه لأنه يدافع عن عقيدته لكن المشكلة تتبدى عندما ينكر بعضهم حتى الحقائق التي في كتبهم هم أو يتنكر حقائق العقل والعلم.. خذ مثلا معاصرا على ذلك ما ذكره الدكتور زغلول النجار -رحمه الله- مما هو مكتوب في العهد القديم من أن الله تعالى يرسل رسولا من نسل إبراهيم من امرأته التي تركها بوادي (بكة) ففي النسخة الإنجليزية كتبت بكة (BACA) بينما حرفها المترجم للعربية باسم (وادي البكاء) والسبب معروف طبعا
وصدق الله تعالى حيث قال (.. الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ) (لأعراف: من الآية157) وثار القساوسة في مصر حيث نشر الدكتور مقالته وفي غيرها من الأماكن التي أثار فيها الدكتور هذه الحقيقة مدعين أن وادي البكاء هذا في الشام بيد أن الدكتور تحداهم أن يثبتوا ذلك تاريخيا مبينا أنه درس كل خرائط المنطقة فلم يجد هذا اللفظ أطلق على أي واد بها..
وهنا وعند بزوغ فجر الحقيقة لا يجد المعاند نفسه إلا هاويا في ظلمة التعصب الذي تتحكم فيه المصالح الدنيوية والنزعات الشخصية.. أن تضل عن الحق وأنت تظن نفسك عليه أهون بكثير من أن تتمسك بالباطل وأنت تعرف ذلك وهذا من الفروق بين المغضوب عليهم والضالين وهو المعني من قول العلماء لأن أكون ذيلا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل..
وحال الممكنين دينيا من قديم أنهم يخفون الحقائق حذر فقدان مكانتهم عند الناس وانظر إلى حال أبي حارثة في الحديث التالي تجد مصداق قولي فقد أخرج ابن إسحاق عن محمد بن جعفر قال قدم على رسول الله ﷺ وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر من أشرافهم في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ونجعتهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا له الكرامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم فلما وجهوا إلى رسول الله ﷺ من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له موجها وإلى جنبه أخ له يقال له كرز ابن علقمة فعثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز تعس الأبعد يريد رسول الله ﷺ فقال له أبو حارثة بل أنت تعست فقال لم يا أخي قال والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز فما منعك منه وأنت تعلم هذا قال ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك وهو كان يحدث عنه هذا الحديث) فمن هنا نعلم الأسباب الخفية التي تدفع رؤساء الأديان للامتناع عن قبول الحق ..
فلما كلم الحبران رسول الله ﷺ قال لهما رسول الله ﷺ أسلما قالا قد أسلمنا قال إنكما لم تسلما فأسلما قالا بلى قد أسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولد وعبادتكما للصليب وأكلكما للخنزير قالا فمن أبوه يا محمد فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلافهم في أمرهم كله صدرا من سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية فقال لهم النبي ﷺ ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا نعم قال ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال ألستم تعملون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه قالوا بلى فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم قالوا لا قال فإن ربنا صور عيسى في لرحم كيف شاء قال ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يتغذى الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم قال فعرفوا ثم أبوا إلا الجحود فأنزل الله آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم )..
بعد كل هذا البيان لم يبق لهم إلا التسليم لكن أنى لهؤلاء المعظمين أن يتركوا مكاسب الدنيا فلم يبق إلا شيء واحد المباهلة..
أن يجتمع القوم بأهليهم وأن يتبادلوا الدعاء بأن يظهر الله تعالى الحق وأهله وأن يهلك الكاذب المفتري من الطائفتين ولعمري هذه طريقة عز من ينفذها فو الله لو اتبعها الدعاة والعلماء في حال مناظرتهم لأهل الكفر أو الباطل لألقموهم حجارة ولعروهم وأثبتوا عجزهم وهذا ما حدث للمشركين من أهل مكة أيضا حين دعا داعيهم غداة غزوة بدر اللهم من كان أقطعهنا للرحم وأتانا بما لم يعرف فأحنه الغداة) فكانت هزيمتهم استجابة من الله لدعائهم وبيانا لبطلان قضيتهم قال ابن كثير: قال تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان: {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل} أي نلتعن {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} أي منا أو منكم وفي البخاري عن حذيفة بن اليمان قال ..فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا:
يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ونعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا قال لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين قال فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح..). فالمباهلة تمثل حلا يجمع بين الربانية والواقعية فلئن أعيانا الاختلاف وتمسك أصحاب العناد بأهوائهم فما الحل إذن..
إن المباهلة حل حاسم نثبت به صدق دعوتنا فندعو مخالفينا لدعاء صادق على الكذاب منا أن يهلكه الله تعالى وأن يظهر الحق لطالبه ويهديه إليه وأن ينصر صاحب الحق ويظهره على مناوئيه وهذا يهز نفوس المفسدين إن كان بهم بقية من عقل وإيمان فربما عادوا لطريق الحق أو ألقموا حجة تغص بها نفوسهم المريضة.


