في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، استيقظ العالم على نبأ لم يكن ليمر دون أن يهز عروشاً ويغير خرائط.
تحت ركام الغارات “الإسرائيلية-الأمريكية” المشتركة، طويت صفحة علي خامنئي، الرجل الذي أمسك بخيوط اللعبة الإيرانية لعقود.
وبينما يتصاعد الدخان من مكتبه في قلب طهران، تجد الجمهورية الإسلامية نفسها أمام الاختبار الأصعب: كيف تدير صراع البقاء وهي مكشوفة الرأس، وفي حالة حرب مفتوحة؟ إن لم يكن قد تعرض لخيانة، كما خان غيره.
المرحلة الانتقالية
لم تنتظر طهران طويلاً لترميم التصدع؛ فبموجب الدستور، انتقلت مقاليد الأمور فوراً إلى “مجلس قيادة مؤقت” يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، وعضواً من مجلس صيانة الدستور.
هذا الثلاثي لا يقود دولة فحسب، بل يقود سفينة وسط تسونامي عسكري، ورغم أن الصبغة الرسمية تتحدث عن “سلاسة مؤسساتية”، إلا أن الكواليس توحي بأن اختيار الخليفة القادم خلال أيام لن يكون مجرد إجراء إداري، بل هو قرار حرب أو سلام، سيحدد وجه إيران للعقود القادمة.
المؤسسة العسكرية.. الانتقام العابر للحدود
على عكس التوقعات التي تراهن على انكسار “الحرس الثوري” بعد غياب القائد الأعلى، تشير المعطيات الميدانية إلى عكس ذلك. فالعقيدة العسكرية الإيرانية، كما يراها المحللون، لا ترتبط بالأشخاص قدر ارتباطها بـ “الأيديولوجيا القتالية”
-الردع الصاروخي: الرسائل النارية التي وصلت إلى العمق الإسرائيلي وطالت أهدافاً حيوية في الخليج عقب الاغتيال، هي “بروفة” لما قد تفعله إيران دون قيود المرشد.
-ضربات أقسى: التوقعات تشير إلى أن المؤسسات العسكرية ستمارس استقلالية أكبر في اتخاذ قرارات “الانتقام المزلزل”، مما يرفع من احتمالية تدحرج كرة الثلج إلى حرب إقليمية شاملة.
الاقتصاد والحداد: 40 يوماً من الشلل والترقب
إعلان الحداد لمدة 40 يوماً وتعطيل الدوائر الرسمية ليس مجرد طقس جنائزي، بل هو محاولة لامتصاص الصدمة الشعبية والسيطرة على الأسواق التي تترقب انهيارات محتملة للعملة المحلية.
الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات، يواجه الآن تحدي “اقتصاد الحرب” في غياب المرجعية العليا التي كانت تحسم الخلافات بين التيارات الإصلاحية والراديكالية حول ملفات التنمية والمواجهة.
ما بعد “خامنئي”: مؤسسات صلبة أم فراغ قاتل؟
يؤكد المقربون من دوائر صنع القرار في طهران، ومنهم المحلل حسين ريوران، أن طهران “دولة مؤسسات” لن يهزها غياب رأس الهرم.
ويستند هذا الطرح إلى سرعة تجاوز صدمة رحيل إبراهيم رئيسي سابقاً، لكن الفارق الجوهري اليوم هو أن المرشد الجديد سيخرج من رحم “الغارات” وليس من صناديق الاقتراع، مما يعني أن “صقور” النظام هم من سيمسكون بزمام المبادرة لتثبيت أركان الدولة ضد ما يصفه المجلس الأعلى للأمن القومي بـ “طغاة العالم”.
إن اغتيال خامنئي في قلب مكتبه، وهو يمارس سلطته من موقع القرار، لا يُعد مجرد حدث أمني عابر، بل زلزالًا سياسيًا يمسّ جوهر شرعية النظام وهيبته.
إنها لحظة اختبار وجودي: فإما أن تُثبت بنية الدولة قدرتها على امتصاص الصدمة وإدارة انتقال السلطة بقبضة محكمة، أو أن يتحول الفراغ إلى شرخ يتسع من الداخل، تستثمره صراعات الأجنحة وضغوط الخارج معًا.
عندها لن يكون السؤال فقط من يخلف الرجل، بل أيُّ نظام سيولد من رحم هذه اللحظة، وأيُّ توازنات جديدة ستُرسم في طهران والمنطقة بأسرها، هل تتحول ايران كالشرق الاوسط تابع للامريكان؟، ام ماذا ينتظرها؟ الساعات المقبلة تجيب ..


