في مشهد سياسي ليبي يزداد تعقيدًا، عادت البعثة الأممية إلى الواجهة مدافعة عن خيار تشكيل «المجموعة المصغرة 4+4»، باعتبارها مخرجًا عمليًا لكسر حالة الجمود التي تخيم على العلاقة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في وقت تتصاعد فيه الاعتراضات الداخلية التي ترى في هذه الخطوة انحرافًا عن المسار التوافقي التقليدي.
نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، بررت اللجوء إلى هذه الآلية المصغرة باستمرار الخلافات بين المجلسين، مشيرة إلى أن الأشهر الماضية لم تشهد أي تقدم حقيقي نحو تنفيذ خريطة الطريق التي سبق أن أعلنتها هانا تيتيه أمام مجلس الأمن. وبحسب خوري، فإن التعثر المستمر فرض البحث عن أدوات بديلة أكثر مرونة، قادرة على تحريك المياه الراكدة داخل العملية السياسية.
وتستهدف «المجموعة المصغرة» في مرحلتها الأولى معالجة ملفين يعدان الأكثر حساسية في المشهد الليبي، هما إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية التي ظلت محل خلاف بين الأطراف المتنازعة. وتضم اللجنة ممثلين عن مختلف مراكز القوة، بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى القيادة العامة للجيش، في محاولة لإنتاج توافق محدود يمكن البناء عليه لاحقًا.
غير أن هذا التوجه لم يمر دون اعتراضات، إذ أعلن كل من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة رفضهما لفكرة «اللجنة المصغرة»، معتبرين أنها تقفز على الأطر السياسية القائمة، وهو ما عبّر عنه المجلس الأعلى في رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اتهم فيها البعثة بالانحراف عن مهامها الأصلية.
في المقابل، تتمسك البعثة الأممية برؤيتها التي تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: أولها إقرار قاعدة دستورية وقانونية تنظم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وثانيها ضمان استقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وثالثها العمل على توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية، بالتوازي مع إطلاق حوار شامل لمعالجة الملفات الاقتصادية والأمنية وقضايا المصالحة الوطنية.
وفي سياق موازٍ، برز حراك داخلي محدود بين بعض أعضاء مجلسي النواب والدولة، خاصة ممثلي إقليم فزان، الذين أعلنوا التوصل إلى رؤية مشتركة تستهدف الدفع بالمسار الدستوري، وتحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية من شأنها تحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار التنموي.
وعلى الصعيد الرقابي، كثفت البعثة الأممية تحركاتها لدعم استقلال المؤسسات المالية، حيث عقدت خوري ونائبة الممثل الخاص أولريكا ريتشاردسون اجتماعًا مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، ناقش ملفات النفط والرقابة على الإنفاق العام، وسط تأكيدات أممية بضرورة تحصين الأجهزة الرقابية من أي تدخلات سياسية أو عسكرية.
وشددت البعثة على أهمية تعزيز دور ديوان المحاسبة في مكافحة الفساد وضمان الشفافية، خاصة في ظل ما تشهده البلاد من تحديات اقتصادية، مرحبة في الوقت ذاته بإنهاء ترتيبات «النفط مقابل الوقود» التي استنزفت الموارد العامة خلال السنوات الماضية، مع التحذير من العودة إلى مثل هذه الآليات غير الشفافة.
كما اعتُبر حصول أكثر من مائة موظف بالديوان على شهادات تدقيق دولية خطوة مهمة نحو رفع كفاءة الجهاز الرقابي، بما يعزز قدرته على مراقبة الإنفاق العام ومحاسبة المؤسسات الحكومية.
من جانبه، أكد شكشك أن المرحلة الراهنة تتطلب دورًا رقابيًا أكثر فاعلية، مشددًا على ضرورة دعم الأمم المتحدة للمؤسسات السيادية لضمان استقلالها وقدرتها على أداء مهامها، خاصة في ظل ما تكشفه التقارير السنوية للديوان من وقائع فساد، تتراوح بين تضخم الإنفاق الحكومي، والمبالغة في مخصصات البعثات الدبلوماسية، وصولًا إلى الإنفاق غير المبرر على الكماليات.
في المحصلة، يبدو أن ليبيا تقف مجددًا أمام مفترق طرق سياسي، حيث تتقاطع محاولات الأمم المتحدة لكسر الجمود مع رفض بعض القوى المحلية لآليات الحل الجديدة، ما يطرح تساؤلات مفتوحة حول قدرة «المجموعة المصغرة» على تحقيق اختراق فعلي، أو تحولها إلى حلقة جديدة في سلسلة التعثر السياسي الممتد.







