تحولت المعادن الإستراتيجية خلال السنوات الأخيرة إلي أحد أهم محاور التنافس العالمي، بعدما تحولت إلى أساس للصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة والتكنولوجيا العسكرية.
ومن البديهي القول إن امتلاك النفط والغاز لم يعد وحده معيارًا للقوة الاقتصادية، بل أصبحت عناصر مثل الليثيوم، والنيكل، والجرافيت، والعناصر الأرضية النادرة، والكوبالت، والنحاس، ضرورية لصناعة البطاريات، والسيارات الكهربائية، والرقائق الإلكترونية، وتوربينات الرياح، والأنظمة الدفاعية الحديثة.
زيادة الطلب علي الطاقة النظيفة
وفي هذا السياق نبه تقارير وكالة الطاقة الدولية إلى أن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على المعادن الحرجة، وأن سلاسل توريد هذه المعادن أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي للدول.
وبدوره أكد المسح الجيولوجي الأمريكي أن إنتاج وتكرير عدد من هذه المعادن يتركز في عدد محدود من الدول، مما يجعل الأسواق عرضة للتوترات الجيوسياسية.
ووبحسب مصادر متطابقة فرغم التركيز الإعلامي الكبير على إفريقيا، فإن مناطق أخرى خارج القارة أصبحت ساحات رئيسية للتنافس العالمي.

ووتصدر أستراليا قائمة هذه الدول، إذ تعد من أكبر منتجي الليثيوم عالميًا، كما تمتلك احتياطيات مهمة من النيكل والعناصر الأرضية النادرة. وقد عززت الولايات المتحدة واليابان والهند تعاونها مع كانبيرا لتطوير سلاسل توريد بديلة تقلل الاعتماد على الصين في معالجة المعادن.
النفط الجديد
من جانبه رأي الباحث في معهد مانهاتن والمتخصص في قضايا الطاقة والتكنولوجيا، مارك ميلز،أن المعادن الحرجة أصبحت “النفط الجديد” للاقتصاد الصناعي، لأن الدول التي تسيطر على إنتاجها ومعالجتها ستملك نفوذًا واسعًا في صناعات المستقبل.
وتعد أمريكا الجنوبية إحدى أهم المناطق في هذا المجال، خاصة ما يعرف بـ”مثلث الليثيوم” الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي. وتمتلك المنطقة نسبة كبيرة من احتياطيات الليثيوم العالمية، وهو معدن أساسي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.
وقد دخلت الصين بقوة إلى هذه الأسواق عبر استثمارات في التعدين والمعالجة، بينما تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تعزيز حضور الشركات الغربية من خلال اتفاقيات وشراكات جديدة.
واوضح ، الباحث في شؤون الموارد الطبيعية في اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي خوليو خوسيه رويز أن التحدي أمام دول أمريكا الجنوبية لا يكمن فقط في امتلاك الموارد، بل في بناء صناعات تحويلية تمنع الاقتصادات من البقاء مجرد مصدر للمواد الخام.
أما كندا، فتسعى إلى التحول إلى مورد رئيسي للمعادن الحرجة لحلفائها، مستفيدة من احتياطيات النيكل والكوبالت واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة. وقد أعلنت الحكومة الكندية إستراتيجية وطنية للمعادن الحرجة بهدف جذب الاستثمارات وبناء سلاسل توريد مرتبطة بالولايات المتحدة وأوروبا.
مراحل التكرير والمعالجة
فيما يعتبر رئيس احدي الشركات المتخصصة في المعادن النادرة سيمون مور،، أن المنافسة الحقيقية في قطاع المعادن لا تقع فقط في مرحلة التعدين، بل في مراحل التكرير والمعالجة، حيث تمتلك الصين موقعًا مهيمنًا في العديد من المعادن الإستراتيجية.
ووعلي الصعيد الأسيوي تُعد إندونيسيا مثالًا بارزًا على صعود الدول التي تمتلك الموارد وتسعى لاستخدامها كأداة نفوذ اقتصادي. فقد فرضت قيودًا على تصدير خام النيكل بهدف جذب الاستثمارات وبناء صناعة محلية للبطاريات والمعادن المعالجة، وهو ما أثار خلافات تجارية مع الاتحاد الأوروبي.
الباحث في شؤون التعدين والطاقة، جيمس فريدمان أوضح أن سياسة إندونيسيا تعكس توجهًا جديدًا لدى الدول الغنية بالموارد، يقوم على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى محاولة السيطرة على مراحل أعلى قيمة في سلسلة الإنتاج.

وفي آسيا الوسطى، أصبحت كازاخستان ومنغوليا محط اهتمام متزايد بسبب احتياطياتهما من اليورانيوم والمعادن النادرة والنحاس، مع تنافس روسي وصيني وغربي على تعزيز النفوذ الاقتصادي هناك.
كما أصبحت القطب الشمالي جزءًا من هذا التنافس بسبب احتياطياته المحتملة من المعادن والطاقة، وهو ملف يرتبط لاحقًا بالتقرير الخاص بالمنافسة على المنطقة القطبية.
، مدير أبحاث الموارد في معهد السياسة الإستراتيجية الأسترال يجيفري ويلسون نبه إلي ، أن التحول العالمي في الطاقة خلق نوعًا جديدًا من الاعتماد المتبادل، حيث انتقلت المنافسة من السيطرة على مصادر الوقود التقليدية إلى السيطرة على المعادن والتقنيات اللازمة للاقتصاد الجديد.
أزمة سلاسل التوريد
وتشير تقارير والبنك الدولي إلى أن العقود المقبلة ستشهد سباقًا عالميًا لإعادة تشكيل سلاسل توريد المعادن الحرجة، من خلال تنويع مصادر الإنتاج، وزيادة الاستثمار في التعدين المسؤول، وتطوير تقنيات إعادة التدوير.
ويخلص الخبراء إلى أن المعادن الإستراتيجية أصبحت أحد أهم ميادين التنافس العالمي، لأنها تقع عند نقطة التقاء الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والدفاع. ومن ينجح في تأمين هذه الموارد وسلاسل معالجتها سيمتلك تأثيرًا كبيرًا في الصناعات التي ستحدد شكل القوة العالمية خلال القرن الحادي والعشرين.






