تفشى الجهل ببنية النظام الدوليّ، والديناميكيات السياسيّة للدول، والعلاقات الدوليّة، والسياسات المحليّة سبب رئيس في الفتنة وتمزيق الصّلات والروابط المجتمعيّة داخل كل دولة، وداخل كل إقليم، وداخل حتى داخل الأمة، وربما حتى داخل كل أسرة واحدة.
بيد أنّ السياسة تجري في ملفات متعدّدة، فيحمد الناس السلوك للدولة أو الإقليم أو النظام الدوليّ في ملف، ويذمّهم في ملف آخر، فلا المدح صكّ براءة يشمل كل التصرفات، ولا الذمّ أيضًا صك جرم يشمل كافّة الملفات؛ وهكذا تجري الأحكام والأوصاف لدى العقلاء والمنصفين من المتخصصين؛ فيُمدح الحميد من التصرُّفات والمواقف بحسب قدره، وتُذمّ التصرُّفات والمواقف بحسب قدرها؛ وهي نفس الأحكام والقواعد عند أهل السُّنّة والجماعة على الأفراد والكيانات؛ ومَن غلبت حسناته سيئاته فقد جاوز القنطرة.
ولكن في غيات تلك القواعد والبديهيات في الحكم عن الجميع يحسن بالعاقل عدم النزول لمخاضة السياسة، والتنزُّه عن إبداء رأيه في أيّ شيء إلا ما اضطُّرّ إليه، ولجهات تحظى بأهلية علمية متخصّصة تعقل وتدرك وتتفهّم وجهة نظره، ولا تتّهمه ولا تشكّك في إخلاصه وموت غرضه من تبعات الرأي إلا مظنة الإصلاح والتوفيق من الله الموفق.
أما الغوص في وحل السياسة، فلا أنصح به لكل أحد في غياب البديهيات والقواعد التي كادت تموت وتندثر في عالم منصات التواصل والفضائيات.


