خاطرة مرت على قلبي فسكنت بعض شجون نفسي ولعل بها ما يُسكن غيري…
عندما يشعر المرء بالضيم والظلم وهو الأبي الذي لم يعتد على أن يسكت على جور يلحق به أو بغيره،
بينما يجد أنه إن انتصف قد يفوت على الدين مصلحة أعظم وسعى للتنفيس عن غضب بصورة تجلب مضرة على الدين أو تفوت مصلحة على الأمة فيقع بين خيارين،
تنفيس شعور أو غضبة طلبا لانتصاف وردا لضيم ومصلحة أكبر لدينه تدفعه للصبر والحكمة والتحكم والرشد،
في ذا الموقف يمرُّ بالخاطر، موقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، في صلح لحديبية في موقف كان غاية الصعوبة على النفوس،
موقف أبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي جاء يرسف في قيوده وكان قد عُذب في الله عذابا شديدا وقد مشى في قيوده من مكة إلى عسفان في الحر والصخر والقيد فلما وصل القى ظهره إلى المسلمين وقد أحس بالأمان بعد فراره من عذاب المشركين،
عندها وجد والده يفاوض رسول الله، وقد اتفق معه الرسول صلى الله عليه وسلم على ان من جاء من المسلمين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يُرد ومن جاء إلى قريش يُرد،
وأصر سهيل على استرداد ابنه فقال الرسول الكتاب لم يُمض بعد فقال سهيل: إذا لا يكون كتاب، قال الرسول: دعه لي فقال والله لا أدعه وأبو جندل يقول يا معشر المسلمين أأترك إلى المشركين يفتنونني في ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل: إنا واعدنا القوم، وإنا الله جاعل لك مخرجا، وقد أيقن أبو جندل حينها أنه عبد الله وأن الله يكفيه (أليس الله بكاف عبده) عندها استسلم لأمر الله وجاءه الفرج من الله.
وعد رسول الله بوعد رب البرية في وقت تألمت فيه النفوس البشرية من إعطاء الدنية: حتى قال عمر ما قال: من منظور بشريته: ألسنا على الحق إن متنا أو حيينا؟
فلم نُعطي الدنية في ديننا، فقال يا عمر إني رسول الله حقًا ولست أعصيه وإن الله ناصري فقال عمر ألم تحدثنا أننا سنأتي البيت فنطوف به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدثتك العام قال: لا قال فإنك آتيه فمطوف به؟
وقد رأى أن الشروط كلها لعزة قريش، وما زال صدر عمر يعتلج، حتى ذهب لصديق الأمة فقال له صديقها: ولم يكن حاضرا مع عمر وهو يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مثلما قال فأجاب الصديق بنفس ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه رسول الله حقا وليس يعصيه إنه ناصره، فقال ألم يكن يُحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به فقال الصديق: أحدثك أنك ستأتيه العام قال: لا قال فإنك آتيه فمطوف به؟ بنفس المفردات يُجيب لأنه يستقي من معين واحد،
وكان عمر بعدها يقول: فعملت لذلك أعمالا وتصدقت بصدقات، من أجل هذه المراجعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل الله على رسول وأصحابه في الغم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) فكانوا يعدون الفتح فتح الحديبية.
وهذا حديث أصبر به نفسي: حين استشعر شيئا من الضيم يمس قلبي فالحرُّ الذي اعتاد أن يأبى الضيم، ولا يقبل الدنية، حين يتعارض انتصافه لنفسه أو لغيره مع مصلحة للدين، فليسمع وعد النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جاعلٌ لك فرجا، وأرى ذلك يقينا، لكل من التزم وصدق وصبر فإن الله سيجعل له مخرجا. هذا وعد نبوي صادق يتحقق يقينا في كل زمان ومكان.
لذا فعلى المسلم الحر أن يصبر ويلتزم الوفاء بالعهد وانتظار البشرى بفرج الله عز وجل


