لا يُنظر إلى إعلان إقامة مراسم تشييع رمزية للإرهابي الخطير مرشد ايران علي خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، والمقررة في السادس من يوليو الجاري، بوصفه مناسبة دينية أو بروتوكولية فحسب، بل باعتباره حدثاً سياسياً يحمل دلالات تتجاوز حدود العراق، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة النفوذ الإيراني داخل البلاد، وحدود استقلال القرار السياسي والديني في واحدة من أكثر الساحات حساسية في الشرق الأوسط.
فالنجف وكربلاء ليستا مجرد مدينتين مقدستين لدى الشيعة، بل تمثلان مركز الثقل الديني والتاريخي للمذهب الشيعي، ما يمنح أي فعالية تُقام فيهما أبعاداً سياسية وإقليمية تتجاوز إطارها المحلي. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن تنظيم مراسم تشييع رمزية لخامنئي في هاتين المدينتين يكتسب أهمية خاصة، باعتباره رسالة سياسية بقدر ما هو حدث ذو طابع ديني.
وخلال السنوات الماضية، سادت تقديرات سياسية وإعلامية تحدثت عن تراجع النفوذ الإيراني في العراق نتيجة صعود الخطاب الوطني العراقي، واتساع الانتقادات الشعبية للفصائل المسلحة، ومحاولات تعزيز استقلال القرار العراقي عن طهران. إلا أن الاستعدادات لإقامة هذه المراسم تعكس، من وجهة نظر مراقبين، استمرار قدرة القوى الموالية لإيران على تنظيم فعاليات ذات رمزية سياسية في أكثر المدن العراقية تأثيراً وحساسية.
ويحمل هذا الحدث، في حال إقامته، عدة رسائل متزامنة. أولها رسالة إلى الداخل العراقي، مفادها أن القوى المرتبطة بطهران ما زالت تتمتع بنفوذ سياسي وتنظيمي واسع، وأن الحديث عن انحسار تأثيرها لا يعكس بالضرورة الواقع الفعلي لموازين القوى.
أما الرسالة الثانية فتتجه إلى الدول العربية، ولا سيما الخليج العربي، لتؤكد أن العراق لا يزال يمثل ركناً أساسياً في الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية، وأن طهران تعتبره عمقاً سياسياً وأمنياً لا يمكن التخلي عنه رغم الضغوط التي تواجهها.
في المقابل، يبعث الحدث برسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن إيران، رغم العقوبات والضغوط السياسية والعسكرية، لا تزال قادرة على توظيف شبكة حلفائها ونفوذها الإقليمي لإظهار حضورها السياسي خارج حدودها.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن العقيدة الأمنية الإيرانية المعروفة بـ”الدفاع المتقدم”، والتي تقوم على نقل خطوط المواجهة إلى خارج الأراضي الإيرانية عبر شبكة من الحلفاء والفصائل المسلحة المنتشرة في عدد من دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق.
وفي هذا السياق، يمثل العراق بالنسبة لطهران إحدى أهم ساحات النفوذ، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً لكونه حلقة وصل استراتيجية بين إيران وسوريا ولبنان، إضافة إلى قربه من دول الخليج العربي. كما توفر الفصائل العراقية الموالية لإيران لطهران أدوات ضغط متعددة، تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والعسكرية دون الانخراط المباشر في أي مواجهة.
ويرى متابعون أن استمرار هذا الواقع ينعكس على علاقات العراق بمحيطه العربي، ويجعل فرص بناء شراكات سياسية واقتصادية مستقلة أكثر تعقيداً، في ظل استمرار تنازع النفوذ بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة المرتبطة بطهران.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر البعد السياسي لمراسم التشييع على شخص المرشد الإيراني، بل يمتد إلى توظيف الرمزية الدينية لإبراز حجم النفوذ الإيراني داخل العراق، وإظهار قدرة حلفاء طهران على فرض حضورهم في أكثر المدن الدينية أهمية وتأثيراً.
وبغض النظر عن الجدل الذي يحيط بهذه المراسم قبل موعدها، فإن مجرد الإعلان عنها أعاد فتح النقاش بشأن حدود السيادة العراقية، ومدى استقلال القرار الوطني، وحجم التأثير الذي تمارسه القوى الموالية لإيران على المشهدين السياسي والديني.
وفي حال أُقيمت المراسم كما هو معلن في السادس من يوليو الجاري، فإنها ستشكل اختباراً جديداً لحجم الحضور الإيراني في العراق، ورسالة سياسية تتجاوز البعد الديني، لتؤكد أن الصراع على النفوذ في المنطقة لم يعد يقتصر على الأدوات العسكرية والأمنية، بل بات يشمل أيضاً توظيف الرموز الدينية والفضاءات المقدسة في معركة النفوذ الإقليمي.


