يقول الله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [سُورَةُ الأَحۡقَافِ: ٣٥]
في هذه الآية يأمر الله تبارك وتعالى رسوله محمدا ﷺ بأن يصبر على تبليغ الرسالة لقومه، ويصبر على ردود أفعالهم السلبية تجاهه وتجاه الدعوة، ولا يستعجل لهم العذاب، مستلهما في ذلك تجربة إخوانه المرسلين قبلة في الصبر وتحمل الأذى.!!
وقد اختلف المفسرون في تفسير من هم أولو العزم من الرسل المقصودون في هذه الآية على قولين: القول الأول: ذهب أصحابه إلى أن أولو العزم من الرسل هم عدد محدد من الرسل، وقالوا: إن حرف الجر (مِنْ) في قوله:(من الرسل) يفيد التبعيض، وعلى ذلك، يكون بعض الرسل أولي عزم، وبعضهم بلا عزم.!!
واستشهدوا على قولهم بقول الله عن آدم عليه السلام: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، وبقول الله عن يونس عليه السلام: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾.!!
وأصحاب هذا القول اختلفوا في تحديد عدد أولي العزم من الرسل، فمنهم من قال: أولو العزم من الرسل ثلاثة، ومنهم قال: أربعة، ومنهم قال: خمسة، ومنهم قال: ستة، ومنهم قال: اثنا عشر، والبعض قالوا: ثمانية عشر!!
وكما اختلفوا في عددهم اختلفوا -كذلك- في تحديد أشخاصهم.!!
القول الثاني: ذهب أصحابه إلى أن كل الرسل أولو عزم، ولا يصح أن يوصف رسول من الرسل بأنه بلا عزم، وعلى ذلك يكون حرف الجر (مِنْ) في الآية للتبيين لا التبعيض، أي بيان جنس من يقتدي بهم محمد ﷺ في الصبر، وهم جنس الرسل.!!
واستشهدوا على قولهم بقول ابن عباس رضي الله عنه الذي فسر الآية بقوله: “إن كل الرسل أولو عزم”.
وأما قول الله عن آدم عليه السلام: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فقالوا بأن هذا كان قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف.
وأما نبي الله يونس عليه السلام، فغضبه في موقف معين لا يعني أنه بلا عزم، أو أنه فقد العزم تماما، كيف وقد أرسله الله بعد ذلك إلى مائة ألف أو يزيدون.!!
كما أن نبي الله نوحا دعا على قومه، ونبي الله موسى دعا على فرعون وملئه، كما أنه دعا على بني إسرائيل لمّا رفضوا دخول الأرض المقدسة، فقال: {.. قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}، ومع ذلك لم يقل أحد أن نوحا وموسى عليهما السلام بلا عزم، بل جعلوهما على رأس أولي العزم.!!
ختاما
إن التفسير الذي يجعل من الرسل من هم أولو عزم، ومنهم بلا عزم، لا يتناسب مع مكانة الرسل الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالاته، بل إنه يتعارض مع قول الله: {.. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ}، [سُورَةُ الأَنعَامِ: ١٢٤]
وبالتالي فالتفسير الذي تطمئن إليه النفس ويتناسب مع مكانة الرسل، ويتوافق مع قول الله: {.. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ}، أن كل الرسل أولو عزم، و(مِن) في الآية هي بيانية لا تبعيضية، أي أنها بينت جنس ونوع الناس الذين ينبغي أن يقتدي بهم النبي ﷺ في العزم، وهم جنس الرسل لا غيرهم، ويؤكد هذا التفسير (ال) التعريف في(الرسل)، فإنها للشمول والاستغراق.!!


