عزيزي حافظ الميرازي: أين مصر من أمن البحر الأحمر؟
تفاجأت بموقف الزميل والأستاذ العزيز حافظ الميرازي، الصحفي القدير صاحب التجربة الطويلة في قنوات تلفزيونية عدة، وهو يسلط كل جهوده هذه الأيام على نقد الموقف الأخير للرئيس السيسي حول اليمن، واعلانه استعداد مصر للدفاع عن السعودية..
صديقنا الميرازي كغيره من النخب المصرية المعارضة اختزل التدخل السعودي والإماراتي في اليمن في تحديد من يحكم اليمنيين، واعتبر الحوثيين شأنًا داخليًا لا يحق لغير اليمنيين التدخل فيه.
ومبعث استغرابي أن هذه القراءة تشبه خطابًا يتكرر لدى بعض النخب التي تقدم نفسها بوصفها ناصرية أو قومية: والتي كانت تنتقد تراجع الدور المصري، ثم تعترض عندما يُطرح تحرك يتصل مباشرة بأمن مصر ومصالحها. تطالب القاهرة باستعادة مكانتها، لكنها تتردد أمام مسؤولية حماية أهم ممر يرتبط بتجارتها واقتصادها.
كيف يستقيم ذلك؟ وهل نريد من مصر أن تستعيد دورها بالكلام، ثم تترك أمن البحر الأحمر وباب المندب عرضة لقرار جماعة مسلحة مرتبطة بإيران؟
الحديث عن خطر تحول البحر الأحمر إلى مجال نفوذ إيراني ليس حديثًا عن ملكية مياهه، بل عن قدرة طهران وحلفائها على الضغط على حركة التجارة فيه. وهذه قدرة تمس قناة السويس، وتمنح أصحابها تأثيرًا في مصالح مصر دون الحاجة إلى الوصول إلى حدودها.
حين تتجنب السفن البحر الأحمر، تخسر مصر رسوم العبور. وحين ترتفع تكاليف النقل والطاقة، تتضرر الشركات والموازنة والمواطنون. فمن أين جاءت فكرة أن ما يحدث شأن يمني داخلي تستطيع القاهرة أن تدير ظهرها له؟
والأغرب استحضار تجربة عبد الناصر في اليمن بوصفها دليلًا جاهزًا على خطأ أي دور مصري، دون النظر إلى دوافعها وسياقها.
كانت مصر قد واجهت العدوان الثلاثي عام 1956، وكانت سيادتها على قناة السويس ومكانتها الإقليمية في صلب معركتها.
وفي قراءتي، لا يمكن فصل دعمها للجمهورية اليمنية عن حسابات أمنها ودورها في المنطقة، إلى جانب مساندة اليمنيين في الخروج من الحكم الإمامي والذي كان مدعوما من إسرائيل ويرتبط بعلاقة استخباراتية بوساطة أمريكية وبريطانية مع الكيان الصهيوني وأرتبط الامر بقبول تهجير أكثر من خمسين ألف يهودي إلى حدود مصر في فلسطين.
أنا لا أرى أن مصر أخطأت من حيث المبدأ حين دعمت الجمهورية.
موضع النقد عندي قد يكون لامتداد الحرب، وكلفة الاستنزاف، وتشابك التدخلات الخارجية التي لم تكن ذنب مصر عبد الناصر.
وأرى أن السعودية أخطأت آنذاك بمساندة الملكيين، ولا يمنعني تقدير موقفها إلى جانب الحكومة اليمنية اليوم من قول ذلك.
فهل تختصر هذه التجربة كلها في كلمة “خطأ”؟
وهل تصبح تضحيات المصريين في اليمن بلا معنى، لمجرد أن إدارة الحرب ونتائجها تستحق النقد؟
نستطيع مراجعة القرارات دون إلغاء القضية التي اعتقد أصحابها أنهم يدافعون عنها.
هل تضحيات مصر من أجل حماية قناة السويس منذ العدوان الثلاثي بما فيها التضحيات في اليمن خطأ؟!!
ثم لنجرب النظر إلى المسألة من داخل مصر نفسها.
تخيل أن تظهر جماعة مسلحة تطالب بإعادة الملكية، وترفض الجمهورية ودستورها، وتقول إن حكم مصر حق موروث لها.
أو أن يتحدث أشخاص باسم أحفاد الفاطميين أو المماليك، ويطالبوا المصريين بالخضوع لسلطة تقوم على النسب، أو لتفسير مذهبي يفرضونه بالقوة الإسماعيلية الفاطمية مثلا.
المقارنة هنا بفكرة الحق الوراثي في الحكم، وليست خصومة مع أحفاد أحد أو أتباع مذهب. هل يقبل المصريون أن يصبح النسب مصدرًا للامتياز السياسي، والسلاح وسيلة لإلزام المجتمع به؟
كثيرون في مصر رفضوا احتكار الإخوان تمثيل المصريين، رغم وصول محمد مرسي إلى الرئاسة عبر الانتخابات.
فلماذا يُطلب من اليمنيين تقبّل جماعة فرضت سلطتها بالسلاح، وانقلبت على مؤسسات الدولة والمسار السياسي ومخرجات الحوار الوطني؟
الحوثيون يمنيون، بالتأكيد، لكنهم ليسوا اليمن كله. وهناك يمنيون وهم الغالبية الساحقة يرفضون حكمهم، وقاوموهم، وفقدوا بيوتهم وأعمالهم وأقاربهم.
أين هؤلاء في القراءة التي تختزل الصراع في السعودية والإمارات من جهة، “اليمن” من جهة أخرى؟
وعندما يطلب اليمنيون المساندة، لماذا تُلغى إرادتهم ويُعاملون كأنهم أدوات للخارج؟ يمكن مساءلة أي تدخل عن أهدافه وأفعاله، لكن لا يجوز أن تصبح عبارة “الشأن الداخلي” غطاءً لتجاهل فرض السلطة بالقوة.
ولو سيطرت على السودان جماعة مسلحة مرتبطة بقوى خارجية، وبدأت تهدد أمن مصر، فهل ستعتبر القاهرة أن الأمر لا يعنيها؟
ولو تعرضت مصر لاعتداء، هل سترفض مساندة السعودية واليمن وبقية الدول العربية لها لأن التضامن معها تدخل في شؤون الآخرين؟
لو سيطرت جماعة مقربة من أبي أحمد على مدن جيبوتية أو اريترية هل سيكون هذا هو موقفكم؟!
هذا لا يمنح كل تدخل شرعية تلقائية، لكنه يوضح أن النقاش يحتاج إلى النظر في طبيعة التهديد، وطلب المؤسسات المعترف بها، وحقوق السكان، لا إلى رفض مبدئي يغفل الوقائع.
وكذلك فإن التنافس السعودي الإماراتي لا يصلح مفتاحًا وحيدًا لتفسير اليمن. توجد سياسات مختلفة ومصالح متعارضة وأخطاء تستحق النقد، لكن لليمنيين قضية تخصهم: استعادة الدولة وحماية وحدتها وحقوق مواطنيها.
ما ذنبنا أن جوارنا السعودية، حتى تصبح خصومة بعض النخب معها سببًا لتجاهل معاناتنا؟ وما ذنب المصريين أن تتضرر مصالحهم، ثم يصبح الدفاع عنها موضع رفض لأن السيسي هو الذي يتحدث عنه؟
معارضة الحكم المصري حق، ومساءلة قراراته ضرورة. لكن مصالح مصر أبقى من حكامها، وأمن البحر الأحمر وقناة السويس لا يتغير بتغير موقفنا من الرئيس.
أمن باب المندب والبحر الأحمر يمس قناة السويس والاقتصاد المصري. وارتباط الحوثيين بإيران يجعل قدرتهم على تهديد الملاحة ورقة ضغط تتجاوز اليمن.
يجعل حتى قناة السويس مجرد بوابة ايرانية تغلقها ان ارادت وتتفضل على مصر بفتحها متى ما طاب لها ذلك..
لا يمكن إبعاد هذه الحقيقة عن النقاش والاكتفاء بتسمية الجماعة “أنصار الله” أو وصفها بأنها شأن داخلي.
ومن المؤسف أن يصبح موقف بعض النخب التي تتحدث باسم القومية متغيرًا بحسب قربها من طهران أو خصومتها مع عاصمة عربية أخرى.
أين الشعب اليمني في هذا كله؟ وأين المصلحة المصرية التي دافع عنها المصريون وقدموا من أجلها التضحيات؟
لهذا أقول للزميل العزيز حافظ، وللنخب التي تشاركه هذه القراءة: لا تختزلوا اليمن في الحوثيين، ولا تجعلوا خصومتكم مع حكومات المنطقة تحجب إرادة اليمنيين أو مصالح المصريين.
أما من يتحدث باسم القومية، فعليه أن يفسر كيف يرفض تراجع الدور المصري، ثم يقبل استمرار نفوذ إيراني مسلح عند ممر يمس أمن مصر واقتصادها.
فاستعادة الدور تعني تحمل مسؤولياته، واتخاذ المواقف وفق مصالح الشعوب، بعيدًا عن الاصطفاف الدائم مع عاصمة ضد أخرى.
هذا هو جوهر الخلاف: لليمنيين حق في دولة لا تحتكرها جماعة، وللمصريين حق في أمن ومصالح لا تبقى عرضة للابتزاز.
وبين الحقين مساحة واسعة للتعاون، تستحق نقاشًا أكثر إنصافًا من وصف كل مساندة بأنها تدخل، وكل مقاومة بأنها صراع بالوكالة.


