كلما تحدثنا عن خطر الإمامة في اليمن، وما ألحقته بالوطن من تمزق وتخلف وصراعات لا تنتهي، يأتي من يقفز بالمقارنة إلى أنظمة الحكم الملكي في دول الخليج، ليقول: “حتى هم عندهم وراثة!”
لكن هذا الخلط بين الإمامة والأنظمة الملكية ليس فقط غير دقيق، بل يزور الحقيقة، ويتجاهل فرقًا جوهريًا في الأساس الذي يبنى عليه الحكم، وفي طبيعة العلاقة بين الحاكم والشعب.
الإمامة الزيدية، كما عرفناها في تاريخ اليمن، وكما نراها اليوم في نموذج الحوثي، ليست مجرد وراثة، بل تقوم على فكرة أن “الحكم حق إلهي” محصور في سلالة معينة، وأن الإمام مفوض من الله، وليس للناس حق أن يختاروه أو يعترضوا عليه أو يحاسبوه.
الشعب في هذا التصور لا يملك إرادة، ولا يعد طرفًا في المعادلة، بل مجرد رعية خاضعة، واجبها السمع والطاعة، والقتال دفاعًا عن امتيازات الإمام.
هذا النوع من الحكم، بحسب علم الاجتماع السياسي، يصنف كـ”سلطة ثيوقراطية” دينية مغلقة، لا تعترف بالمواطنة، ولا ترى الشعب شريكًا، بل تابعًا، ولا تقوم على عقد اجتماعي يضمن الحقوق مقابل الواجبات، بل على دعوى اصطفاء إلهي فوق القانون وفوق المساءلة.
إضافة إلى ذلك، تقوم الإمامة الزيدية على فكرة أن الإمام لا ينصب إلا بالخروج، أي بالسيف، مما يجعل الوصول إلى الحكم في جوهره فعلًا عنيفًا، لا سلميًا.
بل إن العقيدة الزيدية تُجيز وجود أكثر من إمام في وقت واحد، وتفتح بذلك الباب لصراعات دموية دائمة بين الطامحين للحكم من نفس السلالة، تحت مبرر “الخروج” و”الطلب”، ما يجعل الحرب وسيلة مشروعة في سبيل السلطة، ويجعل الاستقرار السياسي حلمًا بعيد المنال.
وفوق هذا كله، تقوم العقيدة الإمامية على تمييز طبقي صارخ، إذ تفرق بين السلالة الحاكمة “آل البيت” المزعومين، وبين عامة الشعب.
فـ”السيد” عندهم يتمتع بامتيازات موروثة في الحكم والجاه والثروة وحتى الزواج، بينما يُنظر لبقية الشعب كخدم أو طبقة أدنى.
هذا التمييز العنصري يخلق دولة لا تقوم على المواطنة، بل على الفئوية والاحتكار السلالي، ما يجعل المجتمع مفككًا، والدولة أداة بيد طبقة، لا كيانًا لكل الناس.
أما الأنظمة الملكية في دول الخليج، فهي وإن كانت وراثية من حيث الشكل، إلا أنها قائمة فعليًا على نوع من التوافق الاجتماعي والرضا العام، وهي مهتمة دائمًا بتقدم مستوى من الأداء والخدمات والاستقرار، لأنها تستمد شرعيتها من واقعها ومن علاقتها بالمجتمع، لا من دعاوى النسب أو التفويض الإلهي.
الملك لا يقول “أنا ولاني الله”، ولا يعامل الناس كرعية بلا حقوق، بل كمواطنين ينتظرون تعليمًا وصحةً وأمانًا وفرص عمل، ويتعامل معهم ضمن إطار دولة ومؤسسات.
وإذا أخذنا اليمن كمثال، فسنجد أن الإمامة، تاريخيًا، لم تبنِ دولة، ولا عرفت مؤسسات، ولا اهتمت بخدمة الناس. الإمام كان الحاكم والقاضي والسجان وجابي الزكاة، والبلد كلها تدار كإقطاعية خاصة، والشعب يعامل كأتباع وعبيد، لا كمواطنين.
وحين عادت الإمامة في نسختها الحوثية، عادت معها نفس العقلية: احتكار الدين، تسخير الناس، قمع المخالفين، نهب المال العام، وتقديم أنفسهم على أنهم “سلالة مصطفاة”، لا يجوز نقدهم ولا رفض حكمهم.
في المقابل، دول الخليج التي يُستشهد بها لتبرير الإمامة، تقدم اليوم أفضل مستويات التعليم والصحة والخدمات في المنطقة، وتُدار دولها بمؤسسات ووزارات ومسؤوليات واضحة، ويحظى المواطن فيها بكرامة ومكانة، حتى وإن لم تكن ديمقراطية مكتملة.
الخلاصة أن الفرق ليس في الوراثة وحدها، بل في منطق الحكم نفسه:
هل يقوم على تعاقد اجتماعي ومسؤولية متبادلة، أم على ادعاء “حق إلهي” يجعل من الحاكم فوق الناس وفوق المحاسبة؟
هل الشعب شريك، أم مجرد تابع؟
هل الدولة وُجدت لخدمة الناس، أم الناس وُجدوا لخدمة الإمام؟
وبالتالي، من يحاول تبرير الإمامة باستدعاء الأنظمة الملكية يغالط الواقع، ويتجاهل أن الإمامة في اليمن كانت دائمًا عبئًا على الوطن، وسدًا أمام بناء الدولة، وعدوًا للمجتمع، مهما تغيّرت الوجوه أو رفعت من شعارات.


