التفسيق كالتكفير من جهة الاحتراز في إطلاق الحكم، وطلب القطع واليقين، وشدة الورع في تنزيله على الأعيان. فكما لا يصح التوسع في التكفير، ولا إطلاقه على المعيّن بمجرد الظنون أو الاحتمالات أو المخالفات التي لم تتحقق فيها شروط التكفير وتنتفِ موانعه، فكذلك التفسيق، وإن كانت آثاره في الجملة دون آثار التكفير، فإنه لا ينبغي أن يتحول إلى حكم سهل التداول في الخطاب الديني.
فليس كل من وقع في معصية يُحكم عليه بأنه فاسق، كما لا يصح التسوية بين الإثم والسيئة والفسق على إطلاقها، فالاستعمال القرآني لهذه الألفاظ يكشف عن دلالات وسياقات مختلفة، ومن ثمّ لا بد من تحرير المفاهيم وضبط المصطلحات قبل إطلاق الأحكام.
والحكم على شخص بعينه بالفسق قد تترتب عليه آثار اجتماعية وأخلاقية، من التشهير وإسقاط المكانة والتحريض، وربما الاعتداء. وكما راجعنا خطاب التكفير، وتخففنا فيه من التعيين بالأسماء، فينبغي أيضًا المراجعة نفسها في خطاب التفسيق، وأن ندرك أن الحكم على الوصف شيء، وتنزيله على المعيّن شيء آخر.
لا نريد أن تتحول المنابر إلى محاكم لإصدار الأحكام على الناس. والأصل في صاحب المنبر أن يكون داعيةً لا قاضيًا، ومقرِّبًا للناس إلى الله لا دافعًا لهم بعيدًا عنه.
وعلى القائم على الدعوة أن يكون واعيًا بتقسيمات الأصوليين والفقهاء في فهم الأحكام وترتيبها، فيميز بين حقوق الله وحقوق العباد، وبين ما يدخل في دائرة الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وما يكون ضرورةً للمجتمع وما يكون ضرورةً للفرد، وما يكون حاجةً للمجتمع وما يكون حاجةً للفرد، ويميز كذلك بين الكلي والجزئي، والعام والخاص، وبين ما تتعلق به مصلحة الجماعة وما تتعلق به مصلحة الأفراد.
فهذه التقسيمات أدوات لفهم تفاوت الأخطاء والمخالفات، وتحديد درجة خطورتها، ومعرفة كيفية التعامل معها، متى يُقدَّم أمر على آخر، ومتى يُشدَّد ومتى يُلَيَّن، كل ذلك وفق ميزان القرآن ومقاصده، لا وفق الانفعال أو اختلاف الأذواق.
كما ينبغي للداعية أن يميز بين دوره ودور القضاء، فليس كل ما عُرف حكمه الشرعي يتحول بالضرورة إلى قضية يتولاها صاحب المنبر، وليس كل خطأ يُنكر على صاحبه يحتاج إلى عقوبة أو إلى تشهير به أمام الناس. فهناك مجال للدعوة والبلاغ والنصح، وهناك مجال للقضاء وإثبات الحقوق وإنزال الأحكام، وهناك أمور يبقى حسابها إلى الله تعالى بعد قيام الحجة وتمام البلاغ.
وكلما ازداد الداعية فقهًا بهذه الدوائر والمراتب والمآلات، أصبح خطابه أكثر اتزانًا، فلا يساوي بين ما لا يستوي، ولا يضع كل مخالفة في مرتبة واحدة، ولا يتعامل مع جميع الأخطاء بالأسلوب نفسه.


