في موقف يعكس تباينًا متزايدًا بين ضفتي الأطلسي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الإثنين، استبعاد مشاركة بلاده في الخطة الأمريكية الرامية لإعادة تأمين الملاحة في مضيق هرمز، والتي أطلق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسم “مشروع الحرية”.
وأوضح ماكرون، خلال تصريحاته، أن فرنسا “لن تشارك في شيء غير واضح”، في إشارة مباشرة إلى غموض تفاصيل المبادرة الأمريكية، سواء من حيث طبيعة التدخل العسكري أو الإطار القانوني والسياسي الذي تستند إليه. ويعكس هذا التصريح تحفظًا أوروبيًا واضحًا تجاه الانخراط في تحركات قد تؤدي إلى تصعيد عسكري مباشر في منطقة شديدة الحساسية.
وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي على هامش زيارته إلى يريفان، حيث يشارك في قمة المجتمع السياسي الأوروبي، التي تناقش قضايا ملحة تتعلق بالأمن الإقليمي والتعاون الاستراتيجي والبنية التحتية بين الدول الأعضاء. وتُعد هذه القمة منصة مهمة لتنسيق المواقف الأوروبية، خاصة في ظل الأزمات الدولية المتسارعة.
ويحمل الموقف الفرنسي دلالات أعمق من مجرد رفض تقني لخطة غير مكتملة، إذ يعكس توجهًا أوروبيًا متناميًا نحو الاستقلال الاستراتيجي، والابتعاد عن الانخراط التلقائي في المبادرات الأمريكية، خصوصًا تلك التي ترتبط بملفات أمنية حساسة في الشرق الأوسط. فباريس، التي تسعى منذ سنوات إلى لعب دور وسيط متوازن في المنطقة، تبدو حريصة على عدم الانزلاق إلى صراع مفتوح قد تكون كلفته السياسية والعسكرية مرتفعة.
كما أن غياب الوضوح في “مشروع الحرية” يثير تساؤلات حول أهدافه الحقيقية، وهل يقتصر على تأمين الملاحة وحماية السفن التجارية، أم يتجاوز ذلك إلى فرض واقع عسكري جديد في الخليج. هذا الغموض، بحسب مراقبين، هو ما يدفع دولًا أوروبية كفرنسا إلى التريث، انتظارًا لمزيد من التفاصيل قبل اتخاذ أي موقف رسمي.
في المقابل، قد يؤدي هذا الرفض الفرنسي إلى تعقيد الجهود الأمريكية لتشكيل تحالف دولي واسع يدعم خطتها في مضيق هرمز، خاصة أن نجاح مثل هذه المبادرات يعتمد بدرجة كبيرة على الغطاء الدولي والمشاركة متعددة الأطراف. كما أنه يمنح إيران هامشًا سياسيًا أوسع، في ظل غياب إجماع غربي كامل حول آليات التعامل مع الأزمة.
في المحصلة، يكشف موقف ماكرون عن لحظة مفصلية في العلاقات الدولية، حيث تتقاطع حسابات الأمن مع اعتبارات السيادة والاستقلال السياسي، وتبرز أوروبا كلاعب يسعى لإعادة تعريف دوره بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، في وقت يظل فيه مضيق هرمز بؤرة توتر مفتوحة على جميع الاحتمالات.







