تأتي المجموعة القصصية «مرئيون» للكاتبة الإماراتية فايزة بنت سعيد الهيملي، الصادرة عن الآن ناشرون وموزعون عام 2026، بوصفها تجربة سردية تنطلق من سؤال أخلاقي قبل أن تكون مشروعًا فنيًا: كيف يمكن للأدب أن يعيد الإنسان إلى مركز المشهد بعد أن حوّلته الحروب إلى رقم في نشرات الأخبار؟
منذ العتبة الأولى، يضع الكتاب قارئه أمام جملة تختصر فلسفته: «تلك المحكمة تجعلنا نشعر بأننا مرئيون لأول مرة». وهي عبارة لا تعمل مجرد افتتاحية، بل تتحول إلى مفتاح تأويلي للنصوص جميعها، إذ تنطلق القصص من فكرة استعادة المرئي من قبضة اللامرئي؛ فالضحايا الذين تبتلعهم لغة الإحصاءات والأرقام يستعيدون هنا أسماءهم وملامحهم وأصواتهم.
تضم المجموعة واحدة وعشرين قصة قصيرة في نحو 86 صفحة، لكنها لا تكتب الحرب بصورتها التقليدية؛ فلا معارك ولا خرائط عسكرية ولا وصف للرصاص والانفجارات بقدر ما تكتب أثر الحرب في الإنسان العادي. الشخصيات ليست أبطالًا استثنائيين، وإنما أفراد فقدوا منازلهم، أو ينتظرون خبرًا، أو يحملون مفتاح بيت لم يعد موجودًا، أو يبحثون عن معنى للنجاة وسط عالم يتداعى من حولهم.
وتنجح الكاتبة في تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى علامات إنسانية عميقة؛ فالبطانية ليست مجرد قطعة قماش، وإنما رمز للأمان المفقود، والباب ليس مجرد مدخل إلى منزل، بل ذاكرة كاملة عن حياة كانت مستقرة قبل أن تصبح الحرب عنوانًا لكل شيء. ومن خلال هذه التفاصيل الدقيقة تتسع مساحة التأويل، فيغدو النص أقرب إلى شهادة إنسانية منه إلى قصة تعتمد الحبكة التقليدية.
وتتميز لغة فايزة الهيملي بالاقتصاد والتكثيف، إذ تميل إلى الجمل القصيرة المشحونة بالدلالة، وتبتعد عن الخطابة أو المباشرة. كما تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، فتترك للقارئ مساحة واسعة لاستكمال المعنى، وهو ما يمنح النصوص بعدًا وجدانيًا يجعل أثرها يمتد بعد انتهاء القراءة.
ولا تحاول المجموعة أن تقدم إجابات جاهزة، بل تكتفي بطرح السؤال الأكثر إيلامًا: إلى أين؟ وهو سؤال يتكرر بصيغ مختلفة داخل القصص، ليصبح سؤالًا عن المصير والهوية والانتماء، أكثر منه سؤالًا عن المكان. وهنا تتجاوز النصوص حدود الجغرافيا؛ فالحرب ليست بلدًا بعينه، بل تجربة إنسانية تتكرر حيثما غاب العدل وانكسرت الحياة.
وتكمن قوة المجموعة في قدرتها على مقاومة منطق الأرقام؛ فبينما تتعامل نشرات الأخبار مع الضحايا بوصفهم إحصاءات، يعيد الأدب في «مرئيون» لكل شخصية اسمها وذاكرتها وحلمها وخوفها، وكأن الكاتبة تؤكد أن الإنسان لا يُقاس بعدد الضحايا، وإنما بما يحمله من حكاية تستحق أن تُروى.
على المستوى الفني، تعتمد القصص على التكثيف والمشهدية والرمزية الهادئة، مع حضور واضح للمفارقة الإنسانية، حيث تتجاور القسوة مع الأمل، والفقد مع الرغبة في استمرار الحياة. كما تتجنب الكاتبة استدرار العاطفة، مفضلةً أن تترك الوقائع تتحدث بنفسها، وهو ما يمنح النصوص صدقية وتأثيرًا أكبر.
في المحصلة، تقدم «مرئيون» تجربة قصصية تنتمي إلى الأدب الإنساني أكثر من انتمائها إلى أدب الحرب. إنها مجموعة تذكر القارئ بأن وراء كل رقم وجهًا، ووراء كل وجه قصة، وأن مهمة الأدب ليست فقط تسجيل المأساة، بل إعادة الاعتبار للإنسان الذي تحاول الحروب أن تمحوه من الذاكرة. ولهذا تبدو «مرئيون» كتابًا عن الكرامة الإنسانية بقدر ما هو كتاب عن الحرب، ونصًا يراهن على قوة السرد في إعادة المرئي إلى الضوء، بعدما كادت الأرقام تبتلعه.


