لم يكن الهجوم الذي ضرب مجمع الشرطة القديم في مدينة كوهاط بإقليم خيبر بختونخوا مجرد انفجار استهدف مسجداً أثناء صلاة الجمعة، بل تحول خلال ساعات إلى مواجهة أمنية طويلة كشفت طبيعة التحديات التي تواجهها باكستان في المناطق القريبة من الحدود الأفغانية.
فقد انتهت العملية بعد نحو 21 ساعة بمقتل المهاجمين الثمانية، بينما ارتفعت حصيلة القتلى إلى 23 شخصاً، بينهم 17 من أفراد الشرطة وستة مدنيين، وفق أحدث البيانات التي نقلتها صحيفة «دون» عن الشرطة وأجهزة مكافحة الإرهاب.
بدأ الهجوم بسيارة محملة بالمتفجرات استهدفت محيط المسجد داخل مجمع الشرطة، قبل أن يتمكن مسلحون من التسلل إلى أجزاء من المنشأة والاشتباك مع قوات الأمن.
وتقول التقارير إن المجمع يضم وحدات تابعة للشرطة الخاصة ومكافحة الإرهاب، وهو ما جعل العملية مختلفة عن هجوم تقليدي على هدف مدني، إذ استهدف في الوقت نفسه أفراداً أمنيين ومنشآت مرتبطة مباشرة بملاحقة الجماعات المسلحة.
وأفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن المواجهة استمرت نحو 20 ساعة، بينما أعلنت السلطات لاحقاً انتهاء عملية التطهير ومقتل ثمانية مهاجمين.
هجوم مركب وليس تفجيراً عابراً
تكمن إحدى أبرز دلالات عملية كوهاط في طبيعة الهجوم المركبة؛ تفجير أولي، ثم اقتحام مسلح، ثم تحصن داخل مبانٍ أمنية، ما أجبر القوات على خوض عملية تطهير استمرت طوال الليل. ووفق صحيفة «ذا نيوز»، كشفت التحقيقات الأولية عن استخدام المتفجرات والأسلحة والقنابل اليدوية خلال الهجوم، بينما تحدثت تقارير عن تفجير انتحاري ثانٍ داخل المجمع أثناء الاشتباكات.
ويرى مايكل سيمبل، الأستاذ الزائر في جامعة كوينز بلفاست والمسؤول الأوروبي السابق في أفغانستان، أن تنفيذ عملية بهذه الدرجة من التعقيد يحتاج إلى تخطيط وإمداد وتدريب، معتبراً أن الهجوم ينسجم مع نمط أوسع لنشاط الجماعات المسلحة في المنطقة. لكن هذا التقييم يبقى تحليلاً، ولا يشكل بمفرده دليلاً مستقلاً على تورط جهة أفغانية رسمية في الهجوم.
وتزداد أهمية هذا التحليل مع إعلان جماعة «اتحاد المجاهدين» المرتبطة بفصائل يقودها حافظ جول بهادر مسؤوليتها عن الهجوم، بحسب تقارير إعلامية. وفي المقابل، كانت حركة طالبان الباكستانية قد نفت في مرحلة مبكرة مسؤوليتها، ما يجعل تحديد الجهة المنفذة وشبكة التخطيط والدعم جزءاً أساسياً من التحقيقات الجارية.
الحدود الأفغانية تعود إلى قلب الأزمة
الموقع الجغرافي لكوهاط يجعل الهجوم مرتبطاً بملف أوسع من الأمن المحلي. فالمدينة تقع على مسافة نحو 60 كيلومتراً من بيشاور، وتشكل نقطة مهمة على الطرق المؤدية إلى مناطق تشهد نشاطاً مسلحاً مثل شمال وزيرستان وبانو وديّا إسماعيل خان. وتشير أبحاث أرشيفية نشرتها صحيفة «ذا نيوز» إلى أن كوهاط تعرضت لهجمات متكررة خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2026.
وتتهم إسلام آباد جماعات مسلحة تعمل من الأراضي الأفغانية بالتخطيط لهجمات داخل باكستان، وتطالب حكومة طالبان بإجراءات يمكن التحقق منها ضد هذه الشبكات. وفي المقابل، تنفي كابل توفير ملاذ للجماعات التي تستهدف باكستان، ما يجعل كل هجوم كبير في خيبر بختونخوا عاملاً إضافياً في توتر العلاقات بين البلدين.
وبعد هجوم كوهاط، قالت وزارة الإعلام والإذاعة الباكستانية إن إسلام آباد ترى أن الهجوم مرتبط بشبكات تنشط من الأراضي الأفغانية، بينما دعت السلطات الباكستانية المجتمع الدولي إلى الضغط على كابل لاتخاذ إجراءات ضد الجماعات المسلحة. وهذه الرواية تمثل الموقف الرسمي الباكستاني، فيما تظل مسؤولية أي جهات أو شبكات خارجية بحاجة إلى إثبات مستقل من التحقيقات.
تكرار الهجمات يوسع السؤال الأمني
الهجوم جاء بعد يوم واحد من مقتل ستة جنود باكستانيين في تفجير استهدف قافلة أمنية في منطقة هانغو، كما أعلنت السلطات خلال الفترة نفسها تنفيذ عمليات أسفرت عن مقتل مسلحين في مناطق أخرى من خيبر بختونخوا. ويشير تزامن هذه الأحداث إلى أن التحدي الأمني يمتد على نطاق جغرافي واسع ولا يرتبط بمدينة واحدة.
وتعيد هذه التطورات إلى الذاكرة هجمات سابقة على منشآت أمنية ومساجد في الإقليم، أبرزها تفجير مسجد داخل مجمع للشرطة في بيشاور عام 2023، والذي أوقع أكثر من مئة قتيل. ويشير تكرار استهداف المواقع الأمنية أثناء تجمع أفراد الشرطة للصلاة إلى صعوبة الفصل بين التهديد الموجه إلى المؤسسات الأمنية والتهديد الذي يطال المجتمع المدني في الوقت نفسه.
ويرى السفير عمران علي تشودري، الدبلوماسي الباكستاني السابق، أن هجوم كوهاط يؤكد الحاجة إلى سياسة مستمرة وصارمة لمواجهة الإرهاب، مع تجنب الاكتفاء بإعلانات الإجراءات العسكرية. وأشار في حديث للإذاعة الباكستانية إلى أن التعامل مع مصادر التهديد يحتاج إلى سياسة ثابتة، بالتزامن مع إدارة الملف الأفغاني.
هل تكفي العمليات العسكرية؟
الرد الأمني السريع تمكن من إنهاء وجود المهاجمين داخل المجمع، لكن انتهاء العملية لا يعني بالضرورة انتهاء الشبكة التي تقف خلفها. فالجماعات المسلحة لا تعتمد فقط على المقاتلين الموجودين في موقع الهجوم، وإنما تحتاج إلى التجنيد والتمويل والنقل وجمع المعلومات والتخطيط وتأمين الأسلحة.
وهنا يبرز نقاش داخل باكستان حول ضرورة الجمع بين العمل الأمني والسياسة والدبلوماسية والتنمية المحلية. وفي افتتاحية لها في 20 سبتمبر، رأت صحيفة «دون» أن مواجهة الشبكات المسلحة تتطلب مراجعة أوسع لسياسة مكافحة الإرهاب، تشمل الأبعاد الدبلوماسية والسياسية والاجتماعية إلى جانب الإجراءات الأمنية.
أما سهيل أفريدي ، رئيس حكومة إقليم خيبر بختونخوا، فقد ربط خلال زيارته لأسر الضحايا بين مواجهة الإرهاب والحاجة إلى توفير موارد أكبر للشرطة، معلناً أن ميزانية شرطة الإقليم ارتفعت إلى 190 مليار روبية للسنة المالية 2026-2027، مع التأكيد على أهمية تحديث قدرات الأجهزة الأمنية. وهذه تصريحات سياسية محلية تعكس جانباً من النقاش الدائر حول الموارد، ولا تمثل تقييماً مستقلاً لفاعلية تلك الإجراءات.
كوهاط والمرحلة المقبلة
خلال المرحلة المقبلة، ستكون نتائج التحقيق في هوية المهاجمين ومسارات دخولهم وتمويلهم أكثر أهمية من انتهاء الاشتباك نفسه. فإذا أثبتت التحقيقات وجود شبكة عابرة للحدود، فقد يزداد الضغط الباكستاني على حكومة طالبان لاتخاذ إجراءات ضد الجماعات الموجودة داخل أفغانستان. أما إذا كشفت التحقيقات عن بنية محلية للتنفيذ والدعم، فسيتركز النقاش على قدرة الأجهزة الباكستانية على تفكيك تلك الشبكات داخل البلاد.
كما أن تكرار الهجمات في خيبر بختونخوا يفرض تكلفة اجتماعية واقتصادية متزايدة، من ارتفاع الإنفاق الأمني إلى الضغط على المستشفيات والخدمات العامة، فضلاً عن تأثير المخاوف الأمنية في حركة السكان والنشاط التجاري والاستثمار المحلي.
وبالتالي، فإن عملية كوهاط تفتح ملفاً أوسع من حصيلة الضحايا؛ فهي تضع أمام إسلام آباد ثلاثة مسارات متداخلة: تعزيز قدرات الأمن والاستخبارات، معالجة الشبكات المحلية التي توفر بيئة للتجنيد والتنفيذ، وإدارة الخلاف مع كابل بشأن الجماعات المسلحة. وتبقى نتيجة هذه المسارات مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات عن مصدر الهجوم، وبمدى قدرة السلطات على منع انتقال الجماعات من تنفيذ هجوم واحد إلى بناء سلسلة عمليات متكررة.






