في عالم يتسارع إيقاعه وتضيق فيه المساحات الآمنة للبوح، يتحول الغضب إلى لغة صامتة، إلى طوفان يجتاح العقل قبل أن ينفجر في الملامح والسلوك. وفي هذا المشهد النفسي المحتقن، يطل علينا عالم النفس الأمريكي الشهير د. ألبرت إليس بكتابه البليغ:
“كيف تتحكم في غضبك قبل أن يتحكم فيك”،
الصادر عن مكتبة جرير، ليمنح القارئ فرصة نادرة لاكتشاف جذور الغضب وآلياته، ومن ثمّ ترويضه.
الكتاب ليس مجرد دليل للتنفس العميق أو كبت الانفعال، بل هو خريطة عقلانية وعاطفية لفهم الذات في لحظة الغليان. يعتمد إليس في هذا العمل على منهجه العلاجي المعروف بـالعلاج العقلاني السلوكي الانفعالي، الذي يمزج بين الفكر والسلوك والانفعال، ويمنح الإنسان قدرة على رؤية غضبه من زوايا أكثر حكمة وهدوءًا.
يطرح إليس في كتابه عددًا من الأسئلة الصادمة:
لماذا نغضب أصلًا؟
هل هناك حقًّا من “أغضبنا”؟ أم أننا اخترنا أن نغضب؟
ويجيب دون مواربة:
“ليس الآخرون هم من يغضبونك، بل أفكارك عنهم.”
“الغضب لا يخدمك، بل يدمر علاقاتك، يُربك قراراتك، ويخدعك بأنه يُشعرك بالقوة، بينما هو في الحقيقة وجه آخر للعجز.”
الكتاب يقدّم استراتيجيات مباشرة لتحليل نوبات الغضب اليومية — سواء كانت في البيت، أو العمل، أو في لحظات الازدحام أو سوء الفهم — ويعرض تمارين نفسية عملية تساعد القارئ على إعادة برمجة استجاباته للمواقف الضاغطة.
ومن أبرز مقولات الكتاب:
“لن يجرحك أحد بدون إذنك.”
“الغضب ليس شعورًا قويًا، بل تعبير عن ضعف في السيطرة.”
“أنت لست أفكارك السلبية، ويمكنك أن تعيد تشكيلها في أي وقت.”
“الناس لا يفعلون ما يفعلهون لإغضابك، بل لأنهم بشر لديهم أسبابهم وسلوكياتهم الخاصة.”
وبين كل فكرة وأخرى، يلحّ إليس على القارئ ألا ينتظر أن يتغير العالم أو يتصرف الآخرون بشكل مثالي، بل أن يبدأ رحلته من داخله، لأن:
“التحكم في الغضب لا يعني كتمانه، بل يعني أن نختار رد الفعل المناسب، لا الانتقام اللحظي.”
عن المؤلف:
وُلد ألبرت إليس عام 1913 في مدينة نيويورك، وعاش طفولة مضطربة أثرت في توجهاته النفسية لاحقًا. درس الاقتصاد، ثم اتجه إلى علم النفس فحاز الدكتوراه من جامعة كولومبيا، وسرعان ما أصبح من أبرز روّاد العلاج السلوكي المعرفي في العصر الحديث.
تمرّد إليس على المدرسة الفرويدية، وأسس نظريته الخاصة التي تدعو الإنسان لتحمل مسؤولية أفكاره وانفعالاته. ألّف أكثر من 80 كتابًا، وألقى آلاف المحاضرات، ودرّب أجيالًا من المعالجين النفسيين في أمريكا وخارجها.
رحل إليس عام 2007، لكنه ترك ميراثًا فكريًا لا يزال ينبض بالحياة، ويُقرأ في العيادات النفسية كما في البيوت والمدارس، وفي كل مكان يسعى فيه الإنسان لفهم نفسه والتصالح معها.
“كيف تتحكم في غضبك” ليس مجرد كتاب، بل صديق حكيم، يهمس في أذنك حين توشك أن تنفجر: توقف.. فكّر.. تنفّس.. لا تسمح لغضبك أن يقودك إلى حيث لا تريد.
هو مرآة صادقة، تنعكس فيها صورتك كما أنت، لا كما يدفعك الغضب لتظن أنك تكون. كتاب لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُرافقك، كلما أوشكت أن تغضب.. أكثر مما ينبغي.







