أعلن رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم عن حزمة تعديلات استراتيجية في ملف دعم الوقود لامتصاص حالة الغضب الشعبي الناجمة عن ضغوط تكاليف المعيشة؛ حيث تقرر رسمياً رفع الحصة الشهرية المسموح للمواطنين بشرائها من بنزين “رون 95” المدعوم إلى 300 لتر اعتباراً من أول سبتمبر، متراجعاً عن خفض سابق أقرته الحكومة عند 200 لتر.
وشملت القرارات زيادة حصة الديزل لبعض القطاعات إلى 400 لتر شهرياً، بالتوازي مع تخصيص ميزانيات إضافية لتمويل صيانة المدارس وتوسيع الخدمات الصحية الرقمية وتوفير التمويل متناهي الصغر للمشاريع الصغيرة، مشدداً على ضرورة انعكاس نسبة النمو الاقتصادي، البالغة 6% في الربع الثاني من عام 2026، بشكل ملموس على القوة الشرائية للمواطنين.
فاتورة الـ 40 ملياراً
أوضح المحللون في معهد دراسات جنوب شرق آسيا وأكسفورد أن القرار لا يمثل تراجعاً كلياً عن هيكلة الدعم، بل يعكس شدة التعقيد السياسي المترتب عليه؛ إذ كشف رئيس الوزراء أن استمرار أسعار الطاقة عند مستوياتها المرتفعة يهدد برفع فاتورة الدعم إلى نحو 40 مليار رينغيت مقارنة بـ 15 مليار رينغيت المعتمدة في الميزانية.
ويؤكد الخبراء أن إصلاح الدعم، على الرغم من منطقيته الاقتصادية لحماية الانضباط المالي، يظل ملفاً شديد الحساسية قد يتسبب في صدمات تضخمية مسببة لردود فعل شعبية إذا أُدير دون مراحل انتقال مرنة.
مأزق المعايير والطبقة المتوسطة
صرح خبراء واقتصاديون، من بينهم محمد أفزانيزام عبد الرشيد من بنك معاملات ولي هينغ غوي، بضرورة استغلال فترات هدوء الأسعار لتقليص الدعم تدريجياً لتجنب صدمة النقل والغذاء.
وفي ذات السياق، حذر كينغ لين لونغ، أمين صندوق اتحاد الغرف الصينية للتجارة والصناعة، من الاعتماد على معيار الدخل الإجمالي المقيد لاستبعاد الأسر؛ نظراً للتفاوت الملحوظ في تكاليف المعيشة بين كوالالمبور والولايات النائية مثل كيلانتان، بينما قدر معهد البحوث الاقتصادية الماليزي أن استبعاد شريحة الدخول المرتفعة سيمس نحو 1.1 مليون أسرة (4.3 مليون شخص)، وهو ما اعتبره الباحث محمد عبد الخالد مخاطرة بالتلاحم الاجتماعي إذا جرى التعامل مع الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة كمجرد مجالات للدعم.
الضغوط البيئية
ترى المنظمات البيئية ومعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي أن الاستمرار في دعم الوقود الأحفوري يشكل نزيفاً للموارد السيادية، مما يحد من فرص التحول نحو الطاقة النظيفة والاستثمار في البنية التحتية المتجددة.
وتتضاعف هذه المفارقة أمام الحكومة التي تسعى جاهدة لتوجيه وفر الدعم نحو الخدمات العامة دون الإضرار بالطبقة المتوسطة أو إشعال شرارة التضخم.
التوازن الاجتماعي
تكشف الخطوات الأخيرة للحكومة الماليزية أن مناورة رفـع حصة “رون 95” ليست سوى تسوية مرحلية ومؤقتة لشراء الوقت وإدارة التوازن الدقيق بين حماية القوة الشرائية للمواطنين وبين الحفاظ على الاستدامة المالية للدولة.
وبينما تظل الرغبة قائمة في هيكلة الدعم وتوجيهه لمستحقيه، ستواجه إدارة أنور إبراهيم اختباراً قيادياً حاسماً لتشديد آليات الاستهداف وتجنب الوقوع بين فكي التضخم وتراجع المؤشرات الاجتماعية.