أعاد تسريب محادثة مطوّلة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك والملياردير الأميركي جيفري إبستين فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في إسرائيل: ملف الديموغرافيا، ليس فقط في علاقته بالصراع مع الفلسطينيين، بل أيضاً في عمقه الداخلي المتعلق بطبيعة المجتمع الإسرائيلي ذاته، وهويته، ومن يملك حق تعريف “من هو اليهودي”.
تكشف المحادثة، التي يُرجّح أنها جرت عام 2014، عن قلق وجودي عبّر عنه باراك من انزلاق إسرائيل نحو واقع الدولة الواحدة ثنائية القومية، حيث تصبح الأغلبية السكانية عربية خلال جيل واحد. هذا السيناريو، الذي لطالما شكّل كابوساً للنخبة السياسية الإسرائيلية، يُقدَّم في حديث باراك باعتباره مساراً حتمياً إذا لم يتم “الاستيقاظ قبل فوات الأوان”، على حد تعبيره.
لكن اللافت في التسريب لا يقتصر على التحذير من التفوق الديموغرافي العربي، بل يتجاوزه إلى خطاب تمييزي داخلي يعكس رؤية نخبويّة انتقائية للهجرة والهوية. إذ دعا باراك صراحة إلى جلب مهاجرين “ذوي كفاءة عالية”، منتقداً ضمنياً موجات الهجرة السابقة، وخصوصاً اليهود القادمين من شمال أفريقيا والعالم العربي بعد نكبة 1948، وهو ما يسلّط الضوء على التراتبية العرقية الكامنة داخل المجتمع الإسرائيلي.
الديموغرافيا: من العرب إلى الحريديم
في المحادثة، لا يظهر العرب وحدهم كـ”مشكلة ديموغرافية”، بل يضع باراك الحريديم (اليهود المتدينين المتشددين) في الخانة ذاتها، بل ويذهب إلى القول إنهم باتوا “أكثر إنتاجية من العرب” من حيث معدلات الإنجاب.
هذا التصريح يعكس توتراً متصاعداً داخل إسرائيل بين التيار العلماني-الأشكنازي والنفوذ المتنامي للحريديم، الذين يعتمدون إلى حد كبير على الإعانات الحكومية ويرفض جزء كبير منهم الخدمة العسكرية.
حديث باراك عن “كسر احتكار الحاخامية الأرثوذكسية” للزواج والدفن وتعريف اليهودية، لا يمكن فصله عن هذا القلق. فالصراع هنا ليس فقط على الأرقام، بل على شكل الدولة: هل تبقى دولة يهودية علمانية ذات طابع غربي، أم تتحول تدريجياً إلى كيان محافظ ديني بثقل سكاني حريدي متزايد؟
انتقائية الهجرة.. وإعادة هندسة المجتمع
الأكثر خطورة في التسريب هو دعوة باراك الصريحة إلى “الانتقائية” في استيعاب المهاجرين. فبينما “اضطرت” إسرائيل، وفق منطقه، إلى استيعاب يهود أفريقيا والعالم العربي في سنواتها الأولى، يرى أن الظروف اليوم تسمح بـ”مراقبة جودة” أفضل، سواء عبر الهجرة أو عبر فتح باب التحوّل إلى اليهودية بشكل “مدروس”.
هذا الطرح يعيد إنتاج خطاب قديم-جديد لدى النخبة الأشكنازية المؤسسة، يقوم على افتراض تفوق ثقافي وتعليمي واجتماعي، ويضع اليهود الشرقيين في مرتبة أدنى، وهو ما يفسّر استمرار شعور التهميش والغبن لدى قطاعات واسعة من المزراحيم، رغم مرور أكثر من سبعة عقود على قيام الدولة.
إشارة باراك إلى المهاجرين الروس مثال واضح على ذلك؛ إذ يعترف بأن “المليون الروسي” غيّر إسرائيل جذرياً، لكنه يتعامل مع هذا التغيير بوصفه تجربة يمكن التحكم بها وتكرارها بشروط، وليس مساراً مفتوحاً غير قابل للضبط.
سياق سياسي واجتماعي متفجّر
خطورة التسريب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته وسياقه. فإسرائيل تشهد اليوم واحدة من أعمق أزماتها الداخلية، حيث تتقاطع الانقسامات الديموغرافية مع الصراع على طبيعة النظام السياسي، والعلاقة بين الدين والدولة، ومستقبل الاحتلال.
التقرير الإسرائيلي الذي أشار إلى تراجع غير مسبوق في معدل النمو السكاني عام 2025، يضيف بعداً واقعياً لمخاوف باراك. فالهجرة السلبية، وتراجع الخصوبة لدى الفئات العلمانية، يقابله نمو مرتفع لدى الحريديم والفلسطينيين، ما يجعل “الهندسة الديموغرافية” هدفاً مركزياً للسياسات الإسرائيلية، سواء عبر تشجيع الهجرة اليهودية أو عبر سياسات التضييق والتهجير بحق الفلسطينيين.
في النهاية تكشف محادثة إبستين–باراك عن وجه أقل دبلوماسية للنقاش الديموغرافي في إسرائيل: نقاش لا يدور فقط حول أرقام السكان، بل حول من يُراد له أن يكون جزءاً من المشروع الصهيوني، ومن يُنظر إليه كعبء أو تهديد. إنها شهادة نادرة على ذهنية نخبويّة ترى في المجتمع مادة قابلة للفرز والانتقاء، وتتعامل مع الديموغرافيا كسلاح سياسي لا يقل أهمية عن الجيش أو الحدود.
وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو أن هذا “الهاجس الديموغرافي” لن يتراجع، بل سيبقى أحد المحركات الأساسية للصراع داخل إسرائيل، ومع محيطها الفلسطيني، على حد سواء.






