لم تكن الحجرية في يوم من الأيام مجرد مساحة جغرافية تقع جنوب محافظة تعز، بل كانت مدرسة وطنية متكاملة صنعت الرجال وأسهمت في تشكيل الوعي اليمني الحديث، واحتلت مكانة متقدمة في مسيرة النضال الوطني والجمهوري فمن هذه الأرض التي عرفت بالعلم والثقافة والانفتاح خرجت قامات وطنية كبيرة حملت مشاعل التغيير، وأسهمت في مواجهة الاستبداد، ودفعت ثمن مواقفها تضحيات جساما في سبيل الحرية والكرامة وبناء الدولة.
وقد ارتبط اسم الحجرية ارتباطا وثيقا بالحركة الوطنية اليمنية منذ بداياتها الأولى، حين كانت الأصوات الحرة تبحث عن طريق للخلاص من عهود التخلف والاستبداد وكانت هذه المنطقة من أكثر مناطق اليمن احتضانا للفكر المستنير والدعوات الإصلاحية، الأمر الذي جعلها حاضرة بقوة في مختلف المحطات التاريخية التي شهدها الوطن.

وعندما نتأمل سجل النضال الوطني اليمني نجد أسماء خالدة ارتبطت بالحجرية وأسهمت في صياغة ملامح اليمن الجمهوري، وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد محمد نعمان أحد أبرز رواد التنوير والإصلاح السياسي والفكري، الذي جعل من التعليم والعلم طريقا لبناء الإنسان والوطن كما يبرز الشاعر عبد الله عبد الوهاب الفضول الذي مثل صوت الحرية وضمير اليمن الحي، وجسد بكلماته ومواقفه معاني الثورة والكرامة الوطنية.
كما قدمت الحجرية العديد من الشخصيات الوطنية والعسكرية والفكرية التي كان لها حضور مؤثر في مسيرة الجمهورية والدفاع عنها، ومن بينهم عبد الله عبد العالم وعبد الغني حميد وعبد الرحمن صبر ومحمد علي عثمان وغيرهم من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل مهمة من تاريخ اليمن الحديث، وأسهموا في ترسيخ قيم الوطنية والدفاع عن المشروع الجمهوري.
ولم يكن دور الحجرية مقتصرا على تقديم القيادات والرموز الوطنية، بل امتد ليشمل المجتمع بأسره، حيث تحولت إلى بيئة حاضنة للفكر الوطني ومصدر دائم للكوادر التعليمية والثقافية والإدارية والعسكرية التي انتشرت في مختلف أنحاء اليمن، وأسهمت في بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
واليوم وفي ظل ما يمر به اليمن من ظروف استثنائية وتحديات مصيرية، تعود الحجرية لتؤكد مجددا ثبات موقفها الوطني وانحيازها الواضح لمشروع الدولة والجمهورية فاحتشاد أبنائها خلف القيادة الشرعية ودعمهم للجيش الوطني ليس موقفا عابرا فرضته اللحظة الراهنة، وإنما امتداد طبيعي لتاريخ طويل من الالتزام الوطني والإيمان العميق بمبادئ الجمهورية والدولة المدنية.
لقد أدرك أبناء الحجرية كما أدرك كل الوطنيين الأحرار، أن المعركة التي يخوضها اليمن اليوم ليست مجرد صراع سياسي أو مواجهة عسكرية محدودة، بل هي معركة تتعلق بمستقبل الوطن وهويته ومصيره إنها معركة بين مشروع الدولة ومشروع الميليشيا، بين النظام والفوضى، بين المواطنة المتساوية ومشاريع التمييز والسلالة، وبين الجمهورية التي قامت على تضحيات الأحرار وبين محاولات إعادة اليمن إلى عصور الحكم الإمامي.
ومن هذا المنطلق جاء موقف أبناء الحجرية واضحا وحاسما في الوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها الشرعية، وإسناد الجيش الوطني في معركة استعادة الوطن وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة فهذه المنطقة التي عرفت تاريخيا بمواقفها الوطنية لا يمكن أن تقف على الحياد عندما تكون الجمهورية في مواجهة أخطر التحديات التي تهدد وجودها.
لقد قدمت الحجرية خلال السنوات الماضية تضحيات كبيرة في سبيل الدفاع عن الجمهورية، وسقط من أبنائها شهداء وجرحى في مختلف جبهات القتال، كما شارك أبناؤها في ميادين النضال السياسي والإعلامي والاجتماعي دفاعا عن القضية الوطنية وكانت حاضرة في كل المواقف المفصلية التي تطلبت موقفا وطنيا مسؤولًا، مؤكدة أن الانتماء للوطن يتقدم على كل الانتماءات الضيقة.
ولا يقتصر دور الحجرية اليوم على الدعم العسكري أو السياسي فحسب، بل يتجلى أيضا في تعزيز الوعي الوطني وترسيخ قيم الجمهورية في نفوس الأجيال الجديدة. فالمعركة الحقيقية لا تحسم بالسلاح وحده، وإنما تحسم كذلك بالوعي والثقافة والإيمان بقيم الدولة والحرية والعدالة ولذلك يواصل أبناء الحجرية أداء دورهم في حماية الهوية الوطنية وصون المكتسبات الجمهورية التي تحققت عبر عقود من النضال والتضحيات.
إن الرسالة التي تبعثها الحجرية اليوم إلى اليمنيين جميعا هي رسالة وفاء للجمهورية وإيمان بمستقبل الدولة وهي رسالة تؤكد أن مشروع اليمن الاتحادي الحديث القائم على الشراكة والعدالة وسيادة القانون هو الخيار الذي يلتف حوله أبناء الوطن، وأن كل المشاريع التي تقوم على التمييز أو العنف أو فرض الأمر الواقع مصيرها الزوال مهما طال الزمن.
كما يعكس هذا الاحتشاد الوطني وعيا عميقا لدى أبناء الحجرية بحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم، وإدراكًا بأن الحفاظ على الجمهورية ليس مسؤولية الجيش وحده، بل مسؤولية كل مواطن يؤمن بوطن آمن ومستقر تسوده العدالة والمساواة فالدول لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بالتضحيات ومهما تعاظمت التحديات.


