أولا: ما نراه ونسمعه اليوم من بعض المسلمين يجعلنا نطرح سؤلا قد يكون غريبا على البعض ومستنكرا عند البعض ولكن عند العاقل الفاهم لدينه هو سؤال طبيعي وبديهي ولا بد من طرحه وخاصة هذا الزمان وسط هذه الموجة العاتية من محاولات تشويه الإسلام والتشكيك في الثوابت التي عرفها المسلمون عبر قرون ونشأ عليها أطفالهم قبل رجالهم ونسائهم. والسؤال هو.. هل استسلمنا لله حقا.
ثانيا: الإسلام هو دين الله لعباده ورسالته لأنبيائه جميعا من لدن آدم عليه السلام الي خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليهم وسلم فكلهم متفقون في اصل الدين والرسالة ومختلفون في الشرائع اصل الرسالة عبر عنه قوله تعالى {قل يا أهل الكتاب تعالوا الي كلمة سواء بيننا وبينكم} (آل عمران ٦٤) والكلمة السواء هي الكلمة الواحدة المتفق عليها (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا) هذه هي الكلمة السواء واصل الدين والرسالة وفروع الرسالة عبر عنها قوله تعالى {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (المائدة٤٨) بمعنى كل نبي جاء بأحكام شرعية تناسب قومه والزمان والمكان والبيئة ٠ يجمع بين اصل الرسالة وفروعها حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انا اولى الناس بعيسي بن مريم في الدنيا والآخرة والانبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) ومعنى أخوة لعلات تشبيه للأصل الأخوة لأب واحد الشرائع هي الأمهات المختلفة بمعنى العقيدة واحدة والشرائع مختلفة كالأخوة من اب واحد وامهاتهم مختلفة.
ثالثا: الدخول في الإسلام يبدأ بالنطق بالشهادتين بمعني الاستسلام المطلق لله وقبول شرعة على لسان رسوله ليس استسلام باهت بلا معنى ولكن كما قال اهل العلم كمال الخضوع والذل لله مع كمال المحبة والتعظيم فهو انقياد استسلام وخضوع لحكمه وشرعه يصحبه تذلل وخشوع وتعظيم ومحبة وهذا مصحوب بعزة تجعلك مترفعا عن ملذات الدنيا وشهواتها وليس على خلقه.
رابعا: المسلم ليس ملاكا ومهما بلغت قوة عقيدته وتمسكه بدينه ففي النهاية هو بشر تنازعه نفسه (وما ابرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) أو الشيطان (قال فبما اغويتني لأقعدن لهم سراطك المستقيم) او الشهوات (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل الموسومة والانعام والحرث) او الفتن (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) ( واعلموا انما أموالكم واولادكم فتنة) او صديق وخليل السوء(يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلانا خليلا) ومعوقات كثيرة يصعب حصرها هنا وهذه الآفات على الطريق يجب أن يقاومها المسلم ويتجاوزها ويكمل طريقه لا ان تصرفه وتحول مساره ولذلك ذكر الله عند الحديث عن المتقين وصفاتهم (والذين إذا فعلوا فاحشة او ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) فالتقي ان وقع في صغيرة او حتى كبيرة لا يستمرأ المعصية ولا يصر عليها ولكن يستغفر وينهض من جديد ٠
خامسا: من أراد نموذجا عمليا لصورة الاستسلام الصحيحة بل والمثالية في القصص القرآني فليقف مع قصة نبي الله ابراهيم عليه السلام واسرته فقد ضربوا اروع الأمثلة في كيفية الاستسلام لله في حكمه وآمره بلا مدافعة أو منازعة أو مناقشة أو مراوغة فاستحق أن يكون أمة وحده (ان إبراهيم كان أمة) لم يكن استسلامه كلاما بل قول وفعلا وعملا في سبيل هذا الاستسلام عاداه ابوه (لئن لم تنتهي لأرجمنك واهجرني مليا) وفي سبيله هاجر من وطنه (إني مهاجر إلى ربي) وفي سبيله عاداه قومه (حرقوه وانصروا آلهتكم) وفي سبيله ترك زوجه وولده بأمر من الله في مكان قفر ليس فيه زرع ولا ماء ولا انسان وفي سبيله هم بذبح ولده الوحيد بوحي غير مباشر منام من يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من الاستسلام الذي استحق به ان يكون اماما للمسلمين (قال اني جاعلك للناس اماما) هذا القصص ليس للتسلية ولكن تفسيرا لمعنى الإسلام بشكل عملي وواقع مشهود فهو مثال حي لحقيقة الإسلام والمسلم الحق.
وأخيرا: هؤلاء على خطر عظيم وليراجعوا أنفسهم وإسلامهم لله.
(١) من يقدم حكما او تشريعا يخالف حكم الله وشرعه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) مطلق التسليم والمعنى لا يتحقق الإيمان الا بثلاث شروط تنفيذ الحكم وعدم مدافعته في النفس والتسليم المطلق مع المحبة له.
(٢) من يكثرون الجدل في آيات الله وشرعه بغية ردها او التشكيك فيها او تأويلها على غير مراد الله ورسوله (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وان اطعتموهم انكم لمشركون).
(٣) من يتولى ويعرض عن امر الله وحكمه وهو يعلم ويقصد ذلك إلى حكم غيره وشرع غيره وهذه صفة من صفات المنافقين والكافرين والعياذ بالله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما نزل الله والي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) وكذلك (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون) وقوله (قل اطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين).
(٤) من يرد حكم الله بهذه الحجج.
أ- ان كل الناس يفعلون ذلك. وهل للناس حكم وتشريع (ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله).
ب- احنا طلعنا لقينا أباءنا كدة.. يعني موروث العادات والتقاليد (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالو بل نتبع ما الفينا عليه آبائنا أو لو كان اباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) ٠
ج- أنا حر وعلى كيفي وهواي.. وهل هواك مصدر للتشريع (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم).
د- أنا أتبع مذهب كذا او جماعة كذا او الشيخ الفلاني ويذكر بعضا من اهل العلم ولكن كل هؤلاء مخالفين للهدي النبوي (اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح بن مريم) قال بن عباس انز لوهم منزلة الرب سبحانه في قبول التحليل والتحريم.
هـ- ان يقدم أمرا او حكما على أمر الله وحكمه.. (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) بمعنى لا يتقدم اي حكم او رأي او تشريع على حكم الله وشرعه في كل شئون الحياة الخاصة والعامة.
وأن يضع أحكام الشريعة من قرآن وسنة موضع الاختيار مع غيرها من الاحكام.. (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) والضلال المبين او البعيد هو ضلال الكفر والعياذ بالله.
هذه وغيرها معوقات تصرف الإنسان عن دينه وجعله معاديا له ولا يستحق أن يوصف به وينال شرف الانتساب له هذا الشرف الذي دعا نبي الله يوسف عليه السلام ان يتوفاه الله عليه (توفني مسلما) رغم انه رسول ونبي.
نسأل الله عز وجل أن يتوفنا مسلمين وان يلحقنا بالصالحين انه ولي ذلك والقادر عليه.


