لا يعلم أهل اليمن دورهم الكبير في هوية مصر الإسلامية؛ لأن القبائل اليمنية كانت العماد البشري والركيزة الأساسية لجيش الفتح الإسلامي في مصر بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، حيث أدرك الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحاجة لمدد قوي أثناء المعارك، فأرسل له آلاف المقاتلين من كبرى قبائل اليمن مثل همدان، وكندة، ومذحج، وحضرموت، وخولان، وبلي، والتي مثلت ما يقارب ثلثي قوام الجيش الفاتح.
ولم يقتصر دور هذه القبائل على الدعم العددي، بل تميز مقاتلوها ببأسهم الشديد وخبراتهم القتالية المتراكمة؛ فخاضوا المعارك الضارية وحصار حصن بابليون القوي، كما برز منهم قادة ميدانيون وفقهاء أداروا شؤون المعارك والخطط الحربية حتى تم فتح الإسكندرية وإسقاط النفوذ البيزنطي في مصر. ولم ينتهِ دور اليمنيين برحيل المعارك، بل كان لهم الأثر الأكبر في تخطيط المناطق الجديدة في مصر؛ فعند بناء مدينة الفسطاط (العاصمة الأولى)، وزعت أراضيها على شكل “خطط” أو أحياء قبلية، واستوطنت كل قبيلة يمنية حيا خاصا بها حمل اسمها، مثل خطة “تجيب”، و”خولان”، و”المعافر”، في حين استقرت قبيلة “همدان” في منطقة الجيزة لحماية الوجة الغربي.
ومن بقايا النفوذ اليمني في مصر منذ الفتح الأول حتى يومنا هذا قرافة القاهرة الشهيرة، أو المقبرة الإسلامية الأقدم والأضخم حتى يومنا هذا تحت جبل المقطم، إنما نسبت لبني قرافة من قبيلة المعافر اليمنية، وهذه الجيم القاهرية غير المعطشة التي لا نزال نحن وأهل اليمن وكثير من أهل عُمان نتكلم بها حتى يومنا هذا.
أنا نفسي لما يقابلني بعض الناس ودون أن أتكلم أو أصر على الكلام بالعربية الفصحى لمشاكلته ومفاكهته لا يصدق أنني مصري، ويقولون لي يمني أو سعودي، لهذا حنانيكم يا أهل اليمن، إنما يحبكم المصريون ولا يرضون لكم الحرب والدماء والقتل، نسأل الله أن يصلح ذات بينكم.


