أولا ـ كانت الولايات المتحدة قوية عملا بمبدأ «سيادة القانون» وقت «صراع القاتل والمقتول» بينها وبين الاتحاد السوفيتي الذي انهار سنة 1991.
ثانيا ـ سنة 1993 وصل الشاب الوسيم بيل كلينتون إلى الحكم في وقت كانت فيه المؤسسات الأمريكية المعروف عنها القوة والفاعلية قد بدأت تسترخي، وربما تترهل، بعد الاطمئنان إلى أن الولايات المتحدة صارت أقوى دولة في العالم.
ثالثا ـ في فترة وصوله إلى الحكم كان كلينتون يبني علاقته المشينة مع تاجر الجنس اليهودي الكريه جيفري أبستين، واستمرت هذه العلاقة إلى سنة 2003 بعد خروج كلينتون من البيت ألبيض بسنتين.
ملابسات هذه العلاقة دليل قاطع على تراخي وترهل المؤسسات الأمريكية، ومن بينها المؤسسات الأمنية والسياسية، في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
في المقابل هناك تصور يذهب إلى أن المؤسسات الأمنية تقف وراء اغتيال الرئيس جون كيندي سنة 1963 بعد أن رأت أن علاقته الغرامية مع الممثلة مارلين مونرو خطر على الأمن القومي للبلاد.
رابعا ـ هل تريد دليلا آخر على تراخي المؤسسات الأمريكية وترهلها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؟
في سنة 1995 بدأ كلينتون علاقة غير لائقة مع الفتاة اليهودية مونيكا لوينسكي المتدربة في البيت الأبيض، واستمرت العلاقة حتى سنة 1997.
بعد 3 سنوات من تورط كلينتون في العلاقة الفاجرة مع مونيكا، انفجرت الفضيحة في يناير 1998.
هل هناك استرخاء، أو ترهل أكثر من هذا؟
خامسا ـ بعد حلف اليمين، كذب كلينتون على المحققين الذين واجهوه بالوقائع. وطبقا للقانون تم اتخاذ إجراءات عزله، وبعد مناقشات صاخبة وافق مجلس النواب على العزل، لكن مجلس الشيوخ صوت ضد مشروع القانون الخاص بذلك، وبالتالي بقي كلينون في المنصب إلى نهاية فترة الرئاسة الثانية.
هنا سقطت دولة القانون.
في المقابل اضطر الرئيس ريتشارد نيكسون للاستقالة سنة 1974 بعد انفجار فضيحة تستره على أنشطة تجسس على مقر الحزب المنافس، والتي بدأت سنة 1972.
جاءت الاستقالة بعد تأييد ساحق في الكونجرس من نواب وشيوخ الحزبين لإجراءات العزل بعد الفضيحة التي عرفت باسم ووترجيت.
استبق نيكسون العزل بالاستقالة.
وقتها كانت دولة سيادة القانون قائمة. وكانت الأجهزة الأمنية والقضائية والسياسية يقظة.
سادسا ـ استمر مسلسل الانهيار، ورافقه طمع لا محدود في ثروات الدول الضعيفة عسكريا المحكومة استبداديا.
في 11 سبتمبر 2001 وقع أخطر هجوم في داخل الولايات المتحدة مما أكد معادلة التراخي والترهل.
استغل الرئيس جورج بوش الابن هجوم تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن باستخدام عدد من الطائرات المدنية المخطوفة في غزو أفغانستان في نفس السنة. ثم راح يغزو العراق بعد سنتين ويستولي على نفطه وثرواته الأخرى.
سابعا ـ بوصول دونالد ترامب إلى الحكم سنة 2017 بلغ التراخي والترهل الحد الأقصى وأضيفت إليهما الفجاجة.
أخذ ترامب في فترة رئاسته الأولى يفرض الإتاوات على دول الخليج العربية مستخدما تعبيرات بذيئة مثل أنه يوفر الحماية للعرش السعودي ولولاها لأزاحته إيران في أسبوعين.
بل راح يحاول فرض إتاوات على الدول الحليفة في أوروبا وآسيا.
في مستهل فترة رئاسته الحالية راح ترامب يبدي طمعا غير معقول في كندا برمتها، وقطاع غزة بحاله، وجزيرة جرينلاند بموقعها المهم، وفنزويلا بنفطها، وكوبا.
هنا سقطت الولايات المتحدة بحالها وليس سيادة القانون وحدها.
وأخيرا صور له خياله السقيم أنه يستطيع أن يبلع إيران، لكن هذه الدولة الخاضعة للعقوبات الأمريكية منذ سنوات طويلة وقفت في حلقه.
ثامنا ـ أمس قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية المؤثرة إن الحرب التي خاضها ترامب ضد إيران هزت مكانة الولايات المتحدة في العالم. ومضت الصحيفة تقول في مقال كتبته هيئة تحريرها: الحرب لها آثار عكسية على المصالح الأمريكية، خاصة العلاقات مع الحلفاء في أوروبا والخليج.
كما تناول المقال التداعيات السيئة لإغلاق مضيق هرمز على الداخل الأمريكي والاقتصاد العالمي.
لكني أقول إن ترامب ونظامه الاستبدادي المهترئ يمثل حصيلة سنوات طويلة من التردي.
تاسعا ـ ليس غريبا أن يكون اليهودي تاجر الجنس أبستين عاملا مشتركا في بداية السقوط والوصول إلى الانهيار.
ففي الوقت الذي كان فيه كلينتون (ممثل بداية السقوط) ينسج علاقة الانحطاط بينه وبين أبستين كان ترامب ينسج علاقة مماثلة مع منتهك براءة ألأطفال.
بعد علاقة غرامية بين أبستين وعارضة الأزياء “ميلانيا” مررها الفاسق إلى ترامب لتصبح زوجة له ثم السيدة الأولى لأمريكا.
هل هناك سقوط أكثر من هذا؟
عاشرا ـ قبل أيام قليلة خرجت ميلانيا إلى الصحفيين في البيت الأبيض لتقول إنها لم تكن في أي وقت عشيقة لأبستين.
هي تعرف أنها كانت كذلك، وتعرف أن هناك مئات القرائن على ذلك. وهذا يعني أنها تشعل النار في زوجها، خاصة أنها طالبت الكونجرس بأن يبدأ التحقيق في الملف كله الخاص بالمقزز أبستين.
هذا تدمير من الداخل لترامب الذي لا تقدره ميلانيا ولا تحترمه ولا ترى في شخصه ما يوفر لها الحماية لأنه يكتفي بأن يجعلها صورة يتزين بها أمام الناس ثم، في أسوأ الاحتمالات، يبصق عليها في الخفاء.
سيكتمل تدمير ترامب من الداخل في نوفمبر في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المتوقع أن يحقق فيها الحزب الديمقراطي الأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ. وهنا ستدور الرحى لتطحن عظام ترامب التي سيُلقي طحينها على قارعة أقرب طريق.


