أولا ـ لم تطلب إيران في أي وقت خلال الحرب الحالية التفاوض مع الولايات المتحدة.
إيران، عن يقين، لم تطلب، وعن يقين لا ترغب في هذه المفاوضات، في الفترة الحالية على الأقل.
هذه هي الحقيقة مهما يكن ما سمعناه أو قرأناه من تصريحات “الكذاب” ومهما يكن ما سنسمعه منه أو نقرأه نقلا عنه غدا أو بعد غد.
بالطبع أقصد بالكذاب رئيس الدولة الكبرى المعتدية دونالد ترامب الذي تتابعت أكاذيبه إلى حد الهذيان، والذي لا يصدقه شعبه، والذي لم يصدقه حلفاء بلاده.
هل تريد دليلا على انحسار الثقة الشعبية بترامب؟
ملايين الأمريكيين جددوا أمس السبت حملة احتجاجات “لا للملوك” في 3000 مدينة وبلدة أمريكية.
يعارض هؤلاء المحتجون السياسات الاستبدادية لإدارة ترامب، وطريقة “أنا الملك” التي يحاول ترامب أن يحكم بها الولايات المتحدة، ومحاولته أن يكون فوق القانون.
ثانيا ـ لكن هناك مفاوضات أُجريت في العاصمة الباكستانية إسلام اباد أمس بين وزراء خارجية الدولة المضيفة ومصر والسعودية وتركيا حول سبل خفض التصعيد وإمكانية ترتيب مفاوضات مباشرة بين طهران وواشنطن لبحث التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب.
هذا صحيح، لكن إليك الحقائق المتصلة بمفاوضات إسلام اباد:
1 ـ ترامب هو الذي طلب من باكستان ومصر وتركيا، وربما من دول أخرى، الاتصال بإيران وإبلاغها برغبة واشنطن في إجراء مفاوضات مباشرة معها لإنهاء الصراع.
2 ـ شاركت السعودية (المتحالفة مع باكستان) في المفاوضات لتتابع ما يجري فيها عن قرب، وكذلك من أجل أن تدفع العملية قدما إن كان بإمكانها.
السعودية بالطبع هي أهم دولة في الخليج وجدت نفسها وسط نيران الحرب، وأظن أنها أكثر تلك الدول رغبة في أن تنقشع المحنة التي تهدد حاضر المملكة ومستقبلها.
3 ـ من موقع قوة، وافقت إيران على المفاوضات غير المباشرة، والتي تُجرى من خلال رسائل متبادلة ينقلها الوسطاء.
رأت إيران القوية المتمتعة بالندية العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة منذ ما بعد الحرب أن من مصلحتها أن تنخرط في المفاوضات غير المباشرة، خاصة بعد أن توقعت أن تجد فيها صدى قويا لوجهات نظرها.
كان من مصلحة إيران أيضا أن توافق باكستان في المفاوضات على فتح الحدود المشتركة للتجارة مقابل سماح طهران لـ 20 ناقلة نفط بالمرور في مضيق هرمز.
ثالثا ـ لماذا طلبت الولايات المتحدة التفاوض؟
لتكون المفاوضات غير المباشرة غطاء لتصريحات غير صادقة أراد ترامب أن يدلي بها قاصدا التأثير على أسواق الطاقة المضطربة بشدة منذ قيام طهران بإغلاق مضيق هرمز.
من بين تلك التصريحات على سبيل المثال:
1 ـ إيران هي التي طلبت التفاوض.
2 ـ المفاوضات تحرز تقدما سريعا.
3 ـ ستُعقد مفاوضات مباشرة بين طهران وواشنطن قريبا.
رابعا ـ من أجل أن يضفي ترامب الجدية على المفاوضات (المزعومة) أظهر إلى صدارة المشهد نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو اللذين كان قد أبعدهما عن إدارة الحرب لاختلاف وجهات نظر كل منهما عن أسلوبه الذي يقول محللون إنه عشوائي ومنقاد لإسرائيل.
وكان طبيعيا أن يكون فانس وروبيو في صدارة المشهد مع نشر تقارير عن اتصال هاتفي بين نائب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي تلقى فيه الأخير توبيخا شديدا من الأول.
الهدف فيما أتصور هو أن تبدو الولايات المتحدة جادة في المفاوضات عن طريق تصوير إسرائيل أنها السبب المركزي في العدوان.
خامسا، ماذا عن الـ 15 نقطة التي يقال إن أمريكا طلبت من الوسطاء أن يبلغوا إيران بها؟
شخصيا وجدت أن ما نُشر عن هذه النقاط الـ 15 مُضحك. ويضحك المرء كثيرا عندما يسمع ترامب يقول إن إيران وافقت على معظمها.
من بين هذه النقاط: تفكيك البرنامج النووي الإيراني بما يشمل إغلاق المنشآت النووية، وتسليم اليورانيوم المخصب، وأيضا تقييد البرنامج الصاروخي الإيراني، وقطع أي علاقة لطهران مع حلفائها في المنطقة.
لماذا الضحك؟
لأن ترامب يحاول أن يجعل توسلات المنكسر تلبس رداء شروط المنتصر.
أمريكا منكسرة لأن إيران فرضت قبضتها على مضيق هرمز بما جعلها جهة العقد والحل في أسواق الطاقة العالمية.
أيضا تواصل إيران تدمير القواعد الأمريكية في الدول العربية، كما تدمر ما تصل إليه أسلحتها في إسرائيل.
في المجمل تستدرج إيران الدولتين المعتديتين إلى حرب استنزاف مدمرة. والهدف هو تحقيق نصر واضح وصريح يتيح لها إملاء شروطها.
صحيح أن دمارا واسع النطاق أصاب إيران في الحرب العدوانية التي تدخل شهرها الثاني لكن لا بديل عن التحمل.
لسان حال إيران يقول: لا وقت للتفاوض.
الواقع العملي يُطابق لسان حال إيران.


