{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}
الحمد لله.. الحمد لله.. انتهت الحربُ الشَّعواءُ التي أكلت الأخضرَ واليابسَ، وحصدت أرواحَ آلافِ الأبرياء من أطفالِ غزّةَ وشيوخِها وشبابِها ورجالِها ونسائِها.
إنّ مقاومةَ أهلِ غزّةَ الباسلةَ جَدَّدت تضحياتِ الصحابةِ، وأَرْتَ الناسَ إيمانَ الرعيلِ الأول ممن تَرَبَّوا في حضنِ النبوةِ المباركةِ.
لقد رأى العالمُ كلّه كيف صمَدَت فئةٌ مؤمنةٌ صغيرةٌ حقيرةٌ في العدةِ والعتادِ أمام عنجَهيّةِ الكيانِ اللعينِ وغطرستِه وظلمِه: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
ورأى كيف واجهت تلكَ الفئةُ المظلومةُ الفقيرةُ في المالِ والسلاحِ أَعتى دولةٍ بجبروتِها وسلاحِها الجهنّميِّ الفتّاكِ.
لقد أثبتتِ الفئةُ المباركةُ أنَّ كلمةَ اللهِ هيَ العُليا، وكلمةَ الذين كفروا هيَ السُّفلى.
وأنَّ لا قوّةَ تقِفُ أمامَ قوّةِ الإيمانِ.
والحقيقةُ أنَّ انتصارَ غزّةَ توطئةٌ لتحريرِ فلسطينَ كلّها إن شاءَ اللهُ.
وأنَّ الفرجَ قريبٌ بإذنِ اللهِ.
وأنَّ التضحياتِ الجبّارةَ التي قدّمَها الفلسطينيونَ الشُّجعانُ لن تذهبَ سُدى.
وأنَّ اللَّيلَ الغاسقَ سينقشعُ عن الفجرِ المشرقِ الذي بَدَتْ تَبَاشِيرهُ في الأفقِ.
يا إخوانَنا أهلَ غزّةَ الكرامُ! هنيئًا لكم هذا الفتحُ العظيمُ والانتصارُ التاريخيُّ الأغرُّ على العدوِّ الشرسِ اللعينِ الذي جاوَزَ جميعَ حدودِ الإنسانيّةِ والأخلاقِ والقوانينِ والأعرافِ والقيمِ.
لا شكَّ أنَّ انتصارَكم يرجعُ الفضلَ فيه — بعدَ اللهِ تعالى — إليكم وحدَكم: إلى إيمانِكم وصمودِكم وصبرِكم وشجاعتِكم. فليس لأحدٍ يدٌ عليكم في إحرازِ هذا الانتصارِ وإخضاعِ العدوِّ للاستسلامِ وقبولِ الهدنةِ.
فالقريبُ والغريبُ، والجارُ والبعيدُ، والصديقُ والحليفُ.. كلُّ أولئك كانوا خَذَلُوكم، وكانوا يتفرَّجون على ظروفِكم ومأساتِكم، كأنَّ الأرحامَ لم يَعُدْ لها معنىٌ، وكأنَّ الجارَ ليسَ له حقٌّ، وكأنَّ رابطةَ الدّمِ والعقيدةِ كلماتٌ جوفاءٌ ليسَ لها رصيدٌ من الواقعِ.
صحيحٌ أنَّ هؤلاءَ لم يكونوا معكم، ولكنَّ اللهَ كان معكم، وكان يرى إيمانَكم وثقتَكم بنصرِه.
وها هو الآن قد حلَّ النصرُ، وجاء الفَرَجُ، وعادتِ البسمةُ إلى وجوهِ أهلِ غزّةَ، والطمأنينةُ إلى صدورِهم.. وتعيشُ غزّةُ على بكرةِ أبيها الفرحَ العامَّ.. ونحن نشاركها في هذا الفرحِ ونهنّئها عليه.
هذا، ونحن — مسلمو العالمِ كلّه — نشهدُ بأنَّ إيمانَ أيّ طفلٍ أو رجلٍ أو امرأةٍ منكم لم يضعفْ ولم يتزعزعْ، بل كان يقوى كلّما زاد بلاؤُكم وعناؤُكم.
ونحن — في الحقيقةِ — لم نكن قادرين على مشاهدةِ أو سماعِ أخبارِ ما كنتم تتعرَّضونَ له من الدمارِ والظلمِ والعدوانِ والقصفِ الهمجيِّ المستمرِّ صباحًا ومساءً، ليلًا ونهارًا، وما إلى ذلك من ألوانِ بؤسِكم وعنائِكم.
والآن أمامَكم مرحلةٌ هامّةٌ: مرحلةُ إعادةِ إعمارِ غزّةَ التي دمّرها العدوُّ كاملًا. ولعلَّ الذين كانوا خَذَلُوكم أثناءَ الحربِ، وكأنّهم تواطأوا على تركِكم لقمةً سائغةً وفريسةً سهلةً للذئابِ الضواري من حثالةِ البشريّةِ وشذاذِ الآفاقِ، لعلّهم يساعدونَكم في هذه المرحلةِ المهمّةِ الدقيقةِ من تاريخِكم. ولا شكَّ أنهم قادرونَ على مساعدتِكم بحكمِ ما وسعَ اللهُ عليهم في رزقِهم، وما آتاهم من فضلهِ، وفتحَ لهم أبوابَ الخيراتِ، وفجّرَ لهم من ينابيعِ الثروةِ ما لم يُتَح لغيرِهم.
ونحن — مسلمو الدنيا قاطبةً — على يقينٍ بأنَّ خَاذِلي أمسٍ سيتحوَّلونَ نصَراءَ الغدِ، ولعلَّهم يستدركونَ ما فاتهم من النُّصرةِ أثناءَ الحربِ بمدِّ يدِ الإغاثةِ والتعاونِ في مرحلةِ إعادةِ الإعمارِ لغزّةَ الكرامةِ والانتصارِ، لكي يغسلوا بذلك بعضَ العارِ الذي لَحِقَهم لتركِ النُّصرةِ أثناءَ الدّمارِ.
(الخميس: 16 مِن ربيعِ الآخرِ 1447هـ = 9 مِن أكتوبرَ ـ تشرين الأوّلِ ـ 2025م).


