في عام 2024.. اختار قاموس أكسفورد الإنجليزي مصطلح (تعفن الدماغ) كلمة العام. استرعى المصطلح الجديد يومئذ انتباه المهتمين باللغة والثقافة الرقمية حول العالم.
طبيًا.. لا يمكن أن يتعفن الدماغ إلا بعد الوفاة، لكن هذا المصطلح أصبح شائعًا لوصف الشعور بالضباب الذهني والإرهاق العقلي الناتج عن قضاء ساعات طويلة من التصفح العشوائي أو استهلاك كميات كبيرة من المحتويات الرقمية السطحية والتافهة بشكل يومي.
الجامعة وضعت تعريفًا دقيقًا لـ”تعفن الدماغ”، مفاده: تدهور مُفترَض في الحالة العقلية أو الفكرية للفرد؛ نتيجة الاستهلاك المفرط للمحتوى التافه أو غير المحفز عبر الإنترنت بصورة مكثفة ومتكررة. الأشخاص الذين يستغرقون في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا بلا هدف معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بـ«تعفن الدماغ».
أستاذ علم النفس في جامعة أكسفورد أندرو برزيبيلسكي يرى أن انتشار مصطلح “تعفن الدماغ” يعكس بوضوح طبيعة العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، مشددًا على أنه ليس حالة طبية حقيقية، بل هو تعبير مجازي يبين الأثر السلبي الذي تفرضه ثقافة الإنترنت السطحية والتافهة والزائفة في الصحة الذهنية والنفسية.
تصفُّح كميات كبيرة من المحتوى الرقمي المتكرر أو غير ذي فائدة يولَّد ضبابًا ذهنيا وإرهاقًا عقليا يؤثر سلبًا على وظائف الدماغ.
التعرض المستمر لمحتوى رقمي معدوم القيمة لا يمر مرور الكرام على دماغنا، بل يتسبب في استثارة مستمرة لوظائفه المعرفية العليا، حتى دون الحاجة الفعلية لاستخدامها. الدماغ يعمل هنا استجابة لمحتوى رقمي يختلف عن الواقع الحقيقي؛ مما يشكل نوعًا من العبث الدماغي الذي يستنزف هذه الوظائف بلا فائدة حقيقية.
ومع استمرار هذا النمط السلبي، تظهر اضطرابات واضحة في القدرات المعرفية، مثل: ضعف الانتباه وصعوبة التركيز؛ ما يجعل الشخص في حالة تشتت مستمر لا تُمكِّنه من التركيز على موضوع معين، كما تضعف قدرة الدماغ على الربط بين المعلومات، ما يسبب مشاعر وانفعالات غير مبررة. ومن ثَم، تصبح عملية ترميز المعلومات للذاكرة البعيدة مُشوَّشة وهشَّة؛ ما يؤدي إلى صعوبة استعادتها لاحقًا وحدوث النسيان.
الدماغ البشري المعقد والقابل للتأثير في آنٍ واحد، لا يمكنه الصمود بلا حدود أمام فيض المعلومات السطحية والعشوائية التي يغمرنا بها العالم الرقمي. بين نبضات الخلايا العصبية، يكمن تحدٍ جذري أمام الإنسانية، يدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا مع التكنولوجيا.
إن مواجهة تعفن الدماغ ليست مجرد خيار ترفيهي أو توجه جديد في أساليب الحياة، بل ضرورة حتمية للحفاظ على أعظم ما نملكه، أي جودة أفكارنا، ونضج وعينا، وفعالية أدمغتنا التي تتعرض بمرور الوقت لتدهور مهارات حل المشكلات والتخطيط والتنظيم والإنجاز، وقد يصل الأمر إلى التأثير على العمليات الإدراكية، ليتصرف الفرد وكأنه مصاب بدرجة من درجات صعوبات التعلم، وتنطفئ عنده مهارات الذكاء العاطفي والاجتماعي، وكذلك عدم القدرة على الربط الاستدلالي والتنسيق ما بين الوظائف المعرفية المختلفة.
الأثر السلبي يتعاظم عند الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة يوميًا مع هذه المحتويات الرقمية التافهة.
منظمة الصحة العالميَة توصي دومًا مرارًا بضرورة تنظيم التعرض للمحتوى الرقمي للحد من انعكاساته السلبية على الصحة الذهنية والجسدية. وتأتي الوقاية عبر اتباع إستراتيجيات واضحة، في مقدمتها: تحديد سقف زمني يومي للتفاعل مع المنصات الرقمية.
كما تشدد على أهمية تغذية الدماغ بوسائل المعرفة التقليدية، مثل: زيادة الاطلاع على الكتب، والمشاركة في أنشطة فكرية محفزة، والاستماع للمحتوى الهادف، وتعلم مهارات الاختيار الواعي للمحتوى الرقمي النافع.
باختصار.. من خلال تبني ممارسات واعية في التفاعل مع المحتوى الرقمي، والعودة إلى مصادر المعرفة العميقة، وتنظيم أوقاتنا بما يحفظ توازن نشاط الدماغ وراحته، يمكننا أن نعيد التوازن لحياتنا، فتتحول التكنولوجيا من تهديد مستنزف إلى أداة تمكين حقيقية، ومن ثم نحفظ أدمغتنا من التعفن المبكر.


