هذا الكتاب وثيقة إدانة لا دفاع، وشهادة تاريخية لا تبرئة. هو تحقيق علمي لمذكّرات إبراهيم الهلباوي، الرجل الذي جمع بين الذكاء القانوني، والبرود الأخلاقي، والارتهان الصريح للاحتلال البريطاني.
نقرأ فيه كيف يمكن لمحامٍ بارع، ومؤسس لنقابة المحامين المصرية وأول نقيب لها، أن يتحوّل إلى أداة قمع، ووكيل ادّعاء يطالب بإعدام الفلاحين دفاعًا عن جنود الاحتلال. إنها مذكّرات سقوط مكتوبة بقلم صاحبها.
عن الكتاب
الكتاب هو تحقيق موثّق لمذكّرات إبراهيم الهلباوي، أحد أخطر الوجوه القانونية في تاريخ مصر الحديث.
تولّى د. عصام ضياء الدين تحقيق النص وضبطه وتخريجه، بينما قدّم له د. عبد العظيم رمضان بقراءة تاريخية نقدية صارمة، تكشف تناقضات الرواية الذاتية، وتضع صاحب المذكّرات في موضعه الحقيقي داخل منظومة الاحتلال لا خارجه.
الهلباوي: من تأسيس النقابة إلى خيانة الوطن
لم يكن إبراهيم الهلباوي شخصية عابرة؛ فهو مؤسس نقابة المحامين المصرية وأول نقيب لها، ما يجعل سقوطه أكثر فداحة، لأن الخيانة هنا لم تأتِ من جاهل أو تابع، بل من رأس المؤسسة القانونية نفسها.
بلغ الهلباوي ذروة انكشافه الوطني حين قبل أن يكون وكيل نيابة محكمة دنشواي عام 1906م، لا مدافعًا عن المصريين، بل ممثلًا للادعاء باسم الاحتلال البريطاني.
وقف في المحكمة يطالب بإعدام الفلاحين المصريين، ويشدّد العقوبات عليهم، دفاعًا عن جنود إنجليز جاؤوا محتلين، فكان صوته أشدّ قسوة من صوت المحتل نفسه.
مضمون المذكّرات: تبرير الخيانة لا إنكارها
في هذه المذكّرات، لا ينكر الهلباوي أفعاله، بل يبرّرها. يكتب عن دنشواي ببرود قانوني، ويقدّم نفسه خادمًا للنظام والقانون، متجاهلًا أن القانون في ظل الاحتلال ليس سوى غطاء للبطش.
لا ندم، ولا مراجعة، بل محاولة لتطبيع الخيانة عبر لغة مهنية جافة، كأن المطالبة بإعدام الفلاحين كانت إجراءً إداريًا لا جريمة وطنية.
وهنا تتجلّى خطورة النص: فهو يكشف عقلية المثقف المتواطئ، الذي يرى في نفسه موظفًا محايدًا، بينما هو في الحقيقة شريك كامل في الجريمة.
دور التحقيق والتقديم: إنقاذ الوثيقة من التضليل
لولا جهد د. عصام ضياء الدين في التحقيق والتوثيق، لبقيت المذكّرات أقرب إلى دفاع ذاتي متأخر. فقد أعاد ضبط الوقائع، وكشف التناقضات، وربط النص بسياقه السياسي الحقيقي.
أما د. عبد العظيم رمضان، فجاء تقديمه كضربة استباقية لأي محاولة لتلميع الهلباوي، إذ وضعه صراحة في معسكر الاحتلال، لا في منطقة رمادية، وأعاد قراءة دنشواي بوصفها جريمة دولة شارك فيها قانونيون مصريون بوعي كامل.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يفضح نموذجًا متكررًا في التاريخ:
نموذج الخائن المتعلّم، الذي يختبئ خلف القانون والمؤسسات، ويمنح الاحتلال شرعية داخلية أخطر من المدافع.
إنه تحذير دائم من أن تأسيس المؤسسات لا يعني بالضرورة وطنيتها، وأن الخيانة قد تأتي أحيانًا مرتدية روب القضاء.
في ميزان التاريخ
خرج إبراهيم الهلباوي من محكمة دنشواي منتصرًا على الورق، لكنه سقط سقوطًا مدويًا في الذاكرة الوطنية.
بقي اسمه ملتصقًا بالمشنقة، لا بالنقابة، وبدماء الفلاحين، لا بتاريخ المهنة.
وهذه المذكّرات، مهما حاول صاحبها تبرير نفسه، لم تكن إلا اعترافًا مؤجلًا بأن القانون حين ينفصل عن الوطن يتحوّل إلى أداة قتل.


