صدر كتاب «الحجاب في التاريخ» للدكتور أيوب أبو دية عن دار الفارابي في بيروت سنة 2012، وتقع الطبعة الأولى في 94 صفحة من القطع الصغير.
والكتاب دراسة تاريخية وأنثروبولوجية تتتبع مسار غطاء الرأس عند المرأة منذ حضارات ما بين النهرين القديمة، مرورًا بمصر القديمة والحضارات الآسيوية، ثم الحضارتين الإغريقية والرومانية، والتراثين اليهودي والمسيحي، وصولًا إلى التساؤل عن موقعه في الثقافة الإسلامية ومجتمعات اليوم.
مقدمة
يأتي هذا الكتاب في لحظة تاريخية مشحونة بالنقاش حول الحجاب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين تحول غطاء الرأس إلى علامة ثقافية وسياسية تتقاطع فيها أسئلة الحرية والهوية والدين.
والكتاب، بحسب مؤلفه، ليس دفاعًا عن موقف ولا هجومًا على آخر، بل محاولة لتقديم قراءة تاريخية صرفة تتبع مسار الظاهرة في سياقاتها الحضارية المختلفة، بمنأى عن السجالات الفقهية المباشرة.
وهو في هذا يشبه محاولات كثيرة اتخذت من التاريخ مدخلًا لفهم الظواهر الاجتماعية والدينية، لكنه يختلف في منهجه الذي يستند إلى المخطوطات والقوانين القديمة والآثار، لا إلى النصوص الدينية وحدها.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
الكتاب في جوهره دراسة تبحث عن أصول الحجاب قبل الإسلام، وتحدد له وظائف طبقية واجتماعية أكثر منها دينية.
ويرى المؤلف أن غطاء الرأس عند المرأة لم يكن ابتكارًا إسلاميًا، بل ممارسة قديمة عرفتها حضارات ما بين النهرين ومصر واليونان والرومان.
وكان غطاء الرأس، وفقًا لهذه الرؤية، أحد أشكال التمييز الطبقي بين الحرائر والإماء، أو وسيلة لحماية النسل والملكية في ظل النظام الأبوي.
ثم انتقلت هذه الممارسة، بحكم الاتصال الثقافي، إلى الأديان الإبراهيمية، حيث لبست ثوبًا دينيًا جديدًا، من دون أن تفقد وظيفتها الاجتماعية الأولى.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يتوزع الكتاب على ثلاثة عشر بابًا، تبدأ بالمجتمعات البدائية وتطور النظام الأسري، ثم تنتقل إلى بلاد ما بين النهرين، حيث يظهر أول تشريع مكتوب يفرض الحجاب على الحرائر ويمنعه على الإماء، وفق ما يعرضه المؤلف عن القوانين الآشورية والبابلية.
ثم يناقش المؤلف مصر القديمة التي، بحسب قراءته، لم تعرف الحجاب على نطاق واسع، إذ تمتعت المرأة بحقوق في التملك والتوريث وخرجت سافرة.
ويعزو الكاتب انتشار التحجب فيها إلى فترات الغزو والاضطراب.
بعد ذلك ينتقل إلى الحضارات الآسيوية والصينية والهندية، حيث ارتبط غطاء الرأس بأطر طقوسية واجتماعية صارمة، ثم يخصص فصلًا للتراث اليهودي، مبينًا كيف كرست نصوص العهد القديم والتلمود السلطة الذكورية وحجبت المرأة.
ويأتي الفصلان الإغريقي والروماني ليكشفا تفاوتًا في معاملة المرأة بين الحجر عليها في أثينا وهامش الحرية في إسبارطة.
وينتهي الكتاب بفصل عن الثقافة المسيحية، يبين كيف رفعت المسيحية من شأن المرأة في بعض السياقات، لكن رسائل بولس فرضت غطاء الرأس في الصلاة والعبادة.
اقتباسات من الكتاب
من أبرز ما يعرضه الكتاب أن الحجاب في العصور القديمة كان أداة اجتماعية للتمييز بين الطبقات، حيث كان يُمنع على الجواري والنساء من الطبقات الدنيا ارتداؤه.
ويشير المؤلف إلى أن قوانين حمورابي والتشريعات الآشورية كانت تفرضه على الحرائر لتمييزهن عن الإماء.
كما يبين أن الحضارة المصرية القديمة عرفت خروج المرأة سافرة، وأن التحجب، وفق تصوره، لم ينتشر فيها إلا في فترات الغزو والاضطراب.
ويؤكد المؤلف أن الأديان اللاحقة تبنت تقاليد كانت موجودة في بيئاتها الجغرافية، فتحول الحجاب من عرف اجتماعي أو رمز طبقي إلى واجب ديني.
وهذه خلاصة لأطروحة الكتاب كما يعرضها، وليست اقتباسات حرفية موثقة من صفحاته.
أهم أقوال الكتاب
يمكن تلخيص أهم ما يقرره المؤلف في أن الحجاب ظاهرة تاريخية قديمة سبقت الإسلام بآلاف السنين، وأن وظيفته الأولى كانت اجتماعية وطبقية، لا دينية محضة.
ويرى أن التشريعات الدينية والطقوس والكهانة كانت من دوافع فرضه، إلى جانب ترسيخ التمييز الطبقي، وغياب الأمن، وحروب الغزو والتوسع العسكري، وظهور الملكية الخاصة والنظام الأبوي لضمان نقاء السلالة.
وهو يقدم، من خلال هذه الرؤية، قراءة تعتبر الظاهرة جزءًا من تاريخ البشرية الاجتماعي، لا من خصوصية دينية واحدة.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في محاولته نقل النقاش حول الحجاب من التحليل الديني الضيق إلى سياق تاريخي مقارن، وتقديم مادة للقارئ العربي عن تشريعات آشورية وبابلية وإغريقية تخص غطاء الرأس.
كما أن صدوره في سياق نقاش عالمي متصاعد حول الحجاب والهوية والاندماج يجعله مساهمة في جدل يتجاوز حدود المجتمعات العربية والإسلامية.
ومن جهة أخرى، فإن صغر حجم الكتاب ووضوح لغته يجعلان منه مدخلًا سريعًا للتعرف على الأطروحة التي ترى في الحجاب موروثًا حضاريًا مشتركًا، وإن كانت هذه الأطروحة نفسها تستدعي مراجعة علمية دقيقة، خاصة عند الانتقال من وصف الممارسات التاريخية إلى تفسير الأحكام الدينية.
نقد الكتاب
لا يخلو الكتاب من إشكالات جوهرية، أولها أن مؤلفه مهندس مدني ودكتور في الفلسفة، وليس متخصصًا في التاريخ القديم أو الدراسات الدينية.
وهذا لا يحرمه حق الكتابة والبحث، لكنه يجعل بعض استنتاجاته التاريخية بحاجة إلى تدقيق ومراجعة في ضوء المصادر المتخصصة.
وقد أُخذ على الكتاب تناوله بعض القضايا بأفكار واستنتاجات مثيرة للجدل، منها تصوير الإنسان البدائي بطريقة تتعارض مع التصور الإسلامي لخلق آدم عليه السلام، ومنها نسبة آراء إلى الغزالي تخالف ما هو معروف عن موقفه من المرأة، ومنها الحديث عن انتفاض النساء المحجبات في الفترة الإسلامية الأولى بما يحتاج إلى إسناد تاريخي موثوق.
ويضاف إلى ذلك أن المؤلف يعتمد على اختصار شديد في معالجة قضايا تاريخية معقدة، وهو اختصار قد يوقع القارئ غير المتخصص في الخلط بين السياقات الحضارية المختلفة، أو يدفعه إلى اعتبار التشابه في المظاهر دليلًا على وحدة المنشأ أو المقصد.
كما أن إدراج الكتاب في قوائم مراجع المكتبات، أو تداوله في الأوساط الثقافية، لا يعفيه من ضرورة إخضاع أطروحاته لمعايير الدقة التاريخية والمنهجية، والتمييز بين الوقائع الموثقة والتفسيرات التي يقدمها المؤلف.
كتب مشابهة
من الكتب التي تتقاطع مع هذا الموضوع كتاب «الحجاب مصدره وتاريخه» لحسن أحمد جغام، الصادر عن دار المعارف في سوسة، وهو يتتبع مسار الحجاب من أثينا القديمة إلى شواطئ نيس المعاصرة، بمنهج تاريخي مشابه.
ومن الكتب التي تعالج الموضوع من زاوية أخرى كتاب «عودة الحجاب» لمحمد إسماعيل المقدم، وهو موسوعة تتناول القضية في ثلاثة أقسام، تبدأ بالقسم التاريخي تحت عنوان «معركة الحجاب والسفور»، ثم تنتقل إلى مسألة تكريم الإسلام للمرأة، ثم أدلة الحجاب والرد على من أباح السفور.
كما يوجد كتاب «الحجاب في الشرع والفطرة بين الدليل والقول الدخيل» لعبد العزيز الطريفي، وهو أقرب إلى المراجعة الفقهية والنقدية لبعض الكتابات التي تتناول تاريخ الحجاب من دون تحرير كافٍ للفروق بين الوقائع التاريخية والأحكام الشرعية.
وتتيح هذه الكتب للقارئ المقارنة بين المنهج التاريخي الذي يتبناه أبو دية، والمنهج الفقهي الذي ينطلق من النصوص الشرعية وأقوال العلماء في تحديد أحكام الحجاب ومقاصده.
ربط الكتاب بالواقع الآن
تبدو أطروحة الكتاب ذات صلة مباشرة بأسئلة اليوم، إذ لا يزال الحجاب حاضرًا في جدل المجتمعات العربية والأوروبية، وتتقاطع حوله قضايا الدين والهوية والحرية الشخصية والاندماج الثقافي.
يرفض المؤلف النظر إلى الحجاب باعتباره فرضًا دينيًا منفصلًا عن التاريخ الاجتماعي، ويرى أنه نشأ في سياقات طبقية وحمائية، ثم تطور بتطور المجتمعات.
وهذا الرأي يستدعي من القارئ المسلم التمييز بين ما هو ثابت بالشرع وما هو موروث ثقافي، والتفريق بين الحجاب بوصفه حكمًا شرعيًا وبين صور غطاء الرأس في التشريعات القديمة التي كانت تميز الحرة عن الأمة.
فالمشترك التاريخي لا يلغي الخصوصية الدينية، كما أن وجود تشابه في المظاهر لا يعني بالضرورة وحدة المصدر أو اتحاد المقصد.
ومن هنا تظل دراسة التاريخ مفيدة لفهم الظواهر الاجتماعية، شريطة ألا تتحول التفسيرات التاريخية إلى بديل عن البحث في النصوص الشرعية وأدلتها.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
الدكتور أيوب عيسى أبو دية أردني الجنسية، من مواليد عمّان سنة 1955، وهو مهندس مدني ودكتور في الفلسفة.
عمل رئيسًا لجمعية حفظ الطاقة واستدامة البيئة الأردنية، وعضوًا في رابطة الكتاب الأردنيين والجمعية الفلسفية الأردنية، وعضوًا في لجنة الحوار الفلسفي العربي الآسيوي في اليونسكو.
حصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الهندسية عام 1992، وعلى الجائزة الذهبية البريطانية للبيئة المبنية عن الشرق الأوسط عام 2010، وعلى جائزة البطل الأخضر من مؤسسة بريطانية في العام نفسه.
وله مؤلفات كثيرة في البيئة والطاقة والفكر، منها «البيئة في مئتي سؤال»، و«علم البيئة وفلسفتها»، و«رحلة في تاريخ العلم»، و«العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة»، و«تنمية التخلف العربي»، و«سلامة موسى من رواد الفكر العلمي العربي المعاصر».
وفي كتابه «الحجاب في التاريخ»، يخرج أبو دية من تخصصه المعتاد، محاولًا توظيف أدواته التحليلية في قراءة ظاهرة اجتماعية وتاريخية.
غير أن هذا الانتقال بين التخصصات يجعل من الضروري تقييم استنتاجاته في ضوء المصادر التاريخية والفقهية المتخصصة، وعدم الاكتفاء بالمنهج الفلسفي أو المقارن وحده.
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي، يحتاج القارئ إلى التمييز بين ما هو ديني ثابت وما هو تاريخي متغير في أطروحة الكتاب.
فالإسلام يقرر الحجاب بوصفه تشريعًا إلهيًا له دلالاته وأحكامه، وليس مجرد استمرار لعرف آشوري أو روماني أو بابلي.
والدراسات التاريخية التي تبين وجود غطاء الرأس في حضارات سابقة لا تضعف الحكم الشرعي ولا تنقص من قدره، لأن وجود ممارسة اجتماعية قبل الإسلام لا يكفي وحده للحكم على مصدر التشريع الإسلامي أو مقاصده.
فالشرائع السماوية تخاطب الناس في سياقاتهم، وتنظم العلاقات الاجتماعية وفق مقاصد أخلاقية أوسع.
والقرآن الكريم حين شرع أحكام الستر لم يكن يسجل عرفًا سائدًا فحسب، بل قرر أحكامًا شرعية لها أدلتها ومقاصدها.
قال الله تعالى في شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ» (الأحزاب: 53).
وهذه الآية واردة في سياق خاص يتعلق ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، وتقرر أدب الاستئذان والاحتجاب، وتعلل ذلك بأنه أطهر للقلوب.
أما أحكام لباس المرأة المسلمة أمام الرجال الأجانب، فتتناولها آيات أخرى وأدلة شرعية تفصيلية.
ثم جاءت آية الجلباب، فقال سبحانه وتعالى:
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» (الأحزاب: 59).
وتتضمن الآية أمرًا لنساء المؤمنين بإدناء الجلابيب، وتذكر من حكم ذلك أن يُعرفن فلا يؤذين.
وقد بحث المفسرون والفقهاء دلالات الآية وحدود الستر المستفاد منها، في إطار فهمهم لمجموع النصوص الشرعية.
وهذا خطاب تشريعي لا يمكن اختزاله في مجرد تقليد لعادات بابل وآشور، لأن الحكم الإسلامي يُبحث من خلال أدلته ومقاصده، لا بمجرد المقارنة بين أشكال اللباس في الحضارات المختلفة.
ثم جاءت آية سورة النور لتبين أحكامًا تتعلق بالنظر والعفة والزينة والخمار، فقال سبحانه وتعالى:
«وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ» (النور: 31).
فالآية تأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج وعدم إبداء الزينة إلا في الحدود التي بينها الشرع، وتأمرهن بضرب الخُمُر على الجيوب.
والخُمُر جمع خمار، وهو غطاء الرأس المعروف عند العرب، وقد جاء الأمر القرآني بمده على موضع الجيب، بما يحقق الستر الذي تدل عليه الآية.
وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى «إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، وفي تحديد ما يجوز للمرأة إظهاره أمام الرجال الأجانب، كما اختلفوا في حكم ستر الوجه والكفين.
ولذلك ينبغي عرض هذه المسائل بأمانة علمية، والتمييز بين ما اتفق عليه الفقهاء وما وقع بينهم فيه خلاف معتبر.
ومن النصوص التي يستدل بها العلماء على وجوب غض البصر ما ورد في الحديث الصحيح حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة، فأمر بصرف البصر.
ويدل ذلك على أهمية غض البصر، إلى جانب أحكام اللباس والستر التي تناولتها النصوص الشرعية.
ثم بينت الآية المحارم الذين يجوز للمرأة إبداء زينتها أمامهم، فقال سبحانه وتعالى: «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ» إلى آخر الآية (النور: 31).
وقد تناول الفقهاء دلالة هذه الآية في بيان حدود الزينة التي يجوز إبداؤها أمام المحارم، وما يجوز إظهاره أمام غيرهم.
ولا يصح حسم الخلاف في حكم الوجه والكفين بمجرد الاستدلال بقائمة المحارم، بل ينبغي الرجوع إلى مجموع النصوص وتفسيرات العلماء وأدلتهم.
وذكر القرآن الكريم أيضًا حكم القواعد من النساء، فقال سبحانه وتعالى:
«وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ» (النور: 60).
والقواعد هن النساء الكبيرات في السن اللاتي لا يرجون النكاح، وقد ربطت الآية الرخصة بعدم التبرج بالزينة، ثم بينت أن الاستعفاف خير لهن.
وتكشف الآية عن مراعاة الشريعة للأحوال المختلفة، مع تأكيد قيمة العفة والاحتشام.
ولا يصح بناء حكم عام على أن كل امرأة، مهما كان عمرها أو حالها، تدخل في حكم واحد من دون النظر إلى ضوابط الآية وتفسيرها وأحكام الفقهاء.
فالمسائل الشرعية تحتاج إلى فهم دقيق للنصوص، ولا تستقيم مع التعميم أو الاستدلال بعبارات لا تمثل دليلًا شرعيًا مستقلًا.
إن مجموع هذه النصوص يدل على أن أحكام الستر في الإسلام لها أصولها ومقاصدها، ولا يمكن اختزالها في كونها مجرد امتداد لتقاليد قديمة.
نعم، قد تكون بعض صور غطاء الرأس موجودة قبل الإسلام، لكن التشابه في المظهر لا يكفي لإثبات وحدة المصدر أو المقصد.
وقد قرر الإسلام أحكامًا تتصل بالعفة والستر وغض البصر وصيانة الأعراض، وجعل الالتزام بأوامر الله من مقتضيات الإيمان والتقوى، لا مجرد اتباع لعرف اجتماعي.
ومن هنا ينبغي ألا تختلط القيمة التاريخية للكتاب بالخصوصية الدينية للتشريع الإسلامي.
فالمشترك التاريخي لا يلغي الخصوصية الدينية، كما أن وجود تشابه في المظاهر لا يعني وحدة المصدر ولا اتحاد المقصد.
ومن الأمانة العلمية أن يوازن القارئ بين هذا الكتاب وأعمال متخصصة في الفقه وأصوله وكتب التفسير المعتمدة، حتى يكتمل فهمه ولا يقع في الالتباس.
فالقرآن الكريم حين قرر أحكام الستر لم يترك الأمر للأعراف وحدها، وإنما وضع ضوابط شرعية تهذب السلوك، وتحفظ العفة، وتصون الأعراض، وتراعي مقاصد الشريعة.
وهذه المعاني لا تكفي الدراسات التاريخية وحدها لفهمها، بل لا بد من الرجوع إلى النصوص الشرعية وطرائق العلماء في تفسيرها واستنباط الأحكام منها.
قال الله تعالى: «ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ» (الأحزاب: 59).
وقال سبحانه وتعالى: «ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ» (الأحزاب: 53).
وتبين الآيتان جانبًا من الحكم والمقاصد التي قررها القرآن في سياقيهما، وتؤكدان أهمية الطهارة والعفة وصيانة المجتمع.
ومن ثم فإن الحجاب في التصور الإسلامي حكم شرعي تُبحث أدلته وتفصيلاته في ضوء القرآن والسنة وفهم العلماء، ولا يصح اختزاله في كونه مجرد موروث تاريخي، كما لا يصح إغفال التاريخ عند دراسة صور اللباس وتطورها في المجتمعات الإنسانية.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين دراسة الظاهرة بوصفها جزءًا من تاريخ المجتمعات، ودراسة الحكم بوصفه تشريعًا دينيًا له أدلته وأحكامه ومقاصده؛ فلكل مجال أدواته ومناهجه، والجمع المنضبط بينهما يقي القارئ الخلط بين الوقائع التاريخية والأحكام الشرعية..
والخلاصة: الحجاب فرض إسلامي، بنصوص قرآنية ثابتة، رغم أنف المنافقين من المسلمين والكافرين


